بقلم أحمد علي بكري
في هذه الحياة، لا يؤلمنا أن نعطي فلا نأخذ بالمقدار نفسه، بقدر ما يؤلمنا أن نكتشف أن كل ما قدمناه لم يكن مرئيًّا في عيون بعض الأشخاص، وأن كل ما بذلناه من اهتمام وصدق واحتواء لم يكن كافيًا ليجعلنا يومًا في المكانة التي تمنّيناها في قلوبهم. فثمة أشخاص لا يتذكرون من كل ما فعلته لأجلهم إلا الشيء الوحيد الذي عجزت عن فعله، وكأن مئات المواقف الصادقة تُمحى من ذاكرتهم أمام موقف واحد لم تستطع فيه أن تكون حاضرًا، أو حاجة لم تتمكن من تلبيتها، أو لحظة كنت فيها أنت أيضًا بحاجة إلى من يفهمك ويقدّر ظروفك.
إنها مفارقة مؤلمة في طبيعة العلاقات الإنسانية؛ أن يمنحك بعض الناس شعورًا بأنك مدين لهم مهما أعطيت، بينما يمنحك آخرون شعورًا بأن وجودك وحده نعمة تستحق الامتنان. هناك من يرى تعبك وتضحياتك ويحفظ لك جميلك حتى في غيابك، وهناك من يعتاد عطاءك إلى درجة أنه يتعامل معه وكأنه حق مكتسب، لا فضل فيه ولا مشقة، فإذا توقفت يومًا لالتقاط أنفاسك، نسي كل ما قدمته، وعاتبك على ما لم تستطع تقديمه.
والأشد وجعًا أن بعض الناس لا يفتحون أبواب الحديث معك إلا حين تضيق بهم ساعات الفراغ، فإذا وجدوا ما يشغلهم انصرفوا دون أن يلتفتوا إلى قلبك الذي اعتاد انتظارهم. تصبح بالنسبة إليهم خيارًا متاحًا حين لا يجدون ما هو أكثر إمتاعًا، ووجهة مؤقتة حين تخلو أيامهم من البدائل. وفي المقابل، هناك أناس يقتطعون من انشغالاتهم وقتًا ليطمئنوا عليك، ويؤجلون بعض أعمالهم ليسمعوا حديثك، ويمنحونك من اهتمامهم ما يجعلك تشعر بأنك حاضر في حياتهم حتى حين لا تكون أمام أعينهم.
والفرق بين هؤلاء وأولئك ليس في عدد الرسائل، ولا في طول المكالمات، ولا في كثرة الكلمات الجميلة، بل في المكانة التي تحتلها في وجدان الإنسان. فهناك من يتحدث إليك لأن وقته يسمح، وهناك من يصنع لك وقتًا لأن قلبه يريدك. هناك من يسألك عن أحوالك ليمضي دقائق من يومه، وهناك من يسألك لأنه لا يستطيع أن يمضي يومه مطمئنًا ما دام يجهل ما يثقل صدرك. الأول يمنحك جزءًا من فراغه، والثاني يمنحك جزءًا من اهتمامه، وبين الفراغ والاهتمام مسافة تكشفها المواقف أكثر مما تكشفها الكلمات.
ولكن، وسط هذه الحقيقة المؤلمة، تكمن مفارقة أخرى لا تقل إيلامًا: أننا أحيانًا لا نحسن رؤية الذين يحبوننا بصدق، فنقلل من شأن حضورهم، ونؤجل الرد على رسائلهم، ونعتاد سؤالهم عنا حتى يصبح في أعيننا أمرًا عاديًّا لا يستحق الالتفات. نطمئن إلى وجودهم كما نطمئن إلى شروق الشمس كل صباح، وننسى أن الأشياء التي نعتادها ليست بالضرورة أشياء مضمونة إلى الأبد. وقد نمنح أكثر أوقاتنا لمن يرهقون أرواحنا في محاولة استرضائهم، بينما نحرم الذين يمنحوننا السكينة من أبسط حقوقهم علينا: كلمة طيبة، أو سؤال صادق، أو لحظة اهتمام نشعرهم فيها بأنهم ليسوا على هامش حياتنا.
كم من إنسان أخلص لنا بصمت، بينما كنا منشغلين بمن لا يلتفت إلينا إلا حين يحتاج شيئًا منا! وكم من قلب انتظر منا مبادرة صغيرة، فلم يجد إلا التأجيل والتجاهل، لأننا كنا نطارد رضا شخص آخر لا يرى فينا ما يكفي مهما فعلنا! إننا أحيانًا نضع أنفسنا في سباق مرهق لإثبات قيمتنا أمام أشخاص لا يريدون أن يروها، وننسى أن هناك من أدرك قيمتنا منذ البداية، ولم يطلب منا أن نركض خلفه، أو نتنازل عن كرامتنا، أو نستهلك أرواحنا في محاولات متكررة لنحصل على ذرة من الاهتمام.
ولعل أكثر ما يستنزف الإنسان عاطفيًّا ليس غياب المحبة وحده، بل محاولته المستمرة انتزاعها ممن لا يمنحها برغبة صادقة. أن تشرح حزنك مرارًا لمن لا يحاول فهمه، وأن تبرر غيابك لمن لم يلاحظ حضورك أصلًا، وأن تبذل كل ما تستطيع كي لا تخسر إنسانًا لا يبدو أنه يخشى خسارتك. عندها يتحول الحب من مساحة للطمأنينة إلى امتحان دائم، وتتحول العلاقة من ملاذ تستريح فيه الروح إلى ساحة تحاول فيها إثبات أنك تستحق البقاء.
لكن الحقيقة التي ينبغي أن نتعلمها، ولو بعد تجارب موجعة، هي أن قيمة الإنسان لا تُقاس بمقدار ما يستطيع انتزاعه من اهتمام الآخرين، ولا بمقدار ما يقدمه ليحصل على اعترافهم به. ليس مطلوبًا منك أن تستنزف قلبك كي تقنع أحدًا بأنك جدير بالمحبة، ولا أن تظل متاحًا في كل وقت لمن لا يجد لك مكانًا إلا حين يحتاج إليك. فالعلاقات الصحية لا تقوم على الملاحقة الدائمة، ولا على التضحية من طرف واحد، بل على التبادل والاحترام والشعور المتكافئ بأن وجود كل طرف يعني شيئًا للطرف الآخر.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تجعلنا الخيبات قساة، ولا أن تدفعنا التجارب إلى إغلاق أبواب قلوبنا في وجه الجميع. فليس كل من قصّر في حقنا جاحدًا، وليس كل من انشغل عنا متعمدًا لإهمالنا، فقد تثقل الحياة أحيانًا أكتاف من نحب، وقد يعجز بعضهم عن التعبير عن مشاعره بالطريقة التي ننتظرها. لذلك، علينا أن نتعلم التمييز بين عثرة عابرة ونمط متكرر، وبين شخص يعتذر ويحاول إصلاح ما أفسده، وشخص يكرر الأذى ثم يتوقع منا أن ننساه في كل مرة.
إن النضج العاطفي ليس أن نتوقف عن العطاء، بل أن نعرف أين نضع عطاءنا، ومتى نمنح، ومتى نتوقف لنحمي ما تبقى في أرواحنا. وليس أن نتخلى عن الناس عند أول تقصير، بل أن ندرك أن الصبر فضيلة ما دام لا يتحول إلى استنزاف، وأن التسامح قيمة عظيمة ما دام لا يصبح إذنًا مفتوحًا بتكرار الجرح. ومن الحكمة أن نمنح الآخرين أعذارهم، لكن من الحكمة أيضًا ألا نجعل أعذارهم المتكررة سببًا دائمًا لإهمال أنفسنا.
تأملوا أولئك الذين يسألون عنكم دون مناسبة، الذين يتذكرون تفاصيلكم الصغيرة، الذين يشعرون بتغير نبرة أصواتكم، والذين لا ينتظرون منكم إنجازًا أو منفعة حتى يمنحوكم الود. هؤلاء يستحقون ألا نؤجلهم دائمًا، وألا نعامل محبتهم بوصفها أمرًا مضمونًا، وألا نجعلهم آخر من نلتفت إليه بعد أن ننتهي من مطاردة الآخرين. فربما كان الشخص الذي اعتدنا وجوده هو نفسه الشخص الذي ندرك قيمته متأخرين، حين لا تعود رسائلنا تجد من يجيب عنها، ولا تعود أصواتنا تجد من يصغي إليها، ولا يعود الباب الذي كان مفتوحًا لنا كما كان.
فبعض الخسارات لا تأتي على هيئة خصام، ولا يصاحبها عتاب طويل أو وداع صاخب؛ بل تبدأ حين يتعب إنسان من المبادرة، ويملّ من الانتظار، ويقرر أن يصون ما تبقى من كرامته، فينسحب بهدوء. وحينها قد نبحث عنه في الأماكن التي اعتدنا أن نجده فيها، فنكتشف أن غيابه ليس مجرد غياب شخص، بل غياب اهتمام كان يحيط بنا دون أن ننتبه، وطمأنينة كانت تسند أيامنا دون أن نشعر بثقل ما كانت تحمله عنا.
وفي نهاية المطاف، لعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه هو ألا نُهمل من يحبوننا ونحن منشغلون بمن لا يروننا، وألا نستهلك أعمارنا في استجداء التقدير ممن لا يعرفون قيمتنا، وألا نخلط بين صعوبة الوصول إلى شخص وبين عظمة مكانته في قلوبنا. فليس كل بعيد ثمينًا، وليس كل قريب عابرًا، وليس كل من جعلنا ننتظر يستحق أن ننتظره.
امنحوا قلوبكم لمن يصونها، وأوقاتكم لمن يقدّرها، واهتمامكم لمن يبادلكم الاهتمام. ولا تنسوا أن أجمل العلاقات ليست تلك التي نضطر فيها إلى إثبات استحقاقنا كل يوم، بل تلك التي نستطيع فيها أن نكون على طبيعتنا، بضعفنا وتعبنا وصمتنا، دون أن نخشى أن تنقص قيمتنا في عيون من يحبوننا.
فلا تجعلوا الذين لا يرون ما تقدمونه محور حياتكم، حتى لا تعموا عن رؤية الذين يرون في وجودكم ما لا تستطيع الكلمات وصفه. فبعض القلوب لا تحتاج إلى أن تبذل المزيد كي تحبكم، بل تحتاج فقط إلى أن تلتفتوا إليها قبل أن تتعلم كيف تعيش من دونكم.






