بقلم: ميساء عقيل ـ جازان
ليست كل الزيارات تُقاس بما ننجزه خلالها، ولا كل اللقاءات تُختصر في كلمات عابرة؛ فبعض الأماكن تترك في أرواحنا أثرًا لا تمحوه الأيام، وبعض الأشخاص يمنحوننا من الإنسانية ما يجعلنا نغادر المكان ونحن أكثر طمأنينة، وكأننا وجدنا في الطريق يدًا حانية تُربّت على أكتافنا وتقول لنا: ما زال في الحياة متّسع للأمل.
عندما زرت مقر صندوق تنمية الموارد البشرية «هدف»، والتقيت مستشار التوظيف الأستاذ عيسى جراد، لم يكن ما استوقفني مجرد حديث عن الوظائف وفرص العمل، بل كان ذلك الجانب الإنساني النبيل الذي تجلّى في أسلوبه، وفي رحابة صدره، وفي قدرته على أن يمنح المتقدم للوظيفة شعورًا بأنه إنسان له قيمة، قبل أن يكون مجرد طلبٍ ينتظر إجراءً أو معاملةً تنتظر دورها.
لقد لمست في هذا اللقاء معنى الاحتواء الحقيقي؛ ذلك الاحتواء الذي يشبه احتواء الأب لأبنائه، حين يستمع إليهم دون أن يُشعرهم بثقل ما يحملون، ويمنحهم الأمان قبل النصيحة، ويستوعب قلقهم قبل أن يبحث معهم عن الحلول. احتواءٌ لا تصنعه المناصب، ولا تمنحه المسميات الوظيفية، بل تصنعه النفوس النبيلة التي تدرك أن خلف كل باحث عن عمل حكايةً لا تُروى كاملة، وظروفًا قد لا تظهر في الأوراق، وأمنياتٍ تتعلّق بفرصة واحدة قد تغيّر الكثير في حياته.
كان في أسلوب الأستاذ عيسى جراد ما يجعل المرء يشعر بأن هناك من يسمع ما في خاطره، لا ما ينطق به لسانه فحسب؛ فكم من إنسان يدخل أبواب الجهات بحثًا عن فرصة عمل، وهو يحمل في داخله همومًا ومسؤوليات وأسئلةً لا يعرف كيف يعبّر عنها! وكم من متقدم يحتاج، قبل أن يسمع عبارة «توجد فرصة» أو «لا توجد فرصة»، إلى من يمنحه شعورًا بأنه مفهوم، وأن صوته مسموع، وأن كرامته محفوظة!
وهنا تكمن عظمة التعامل الإنساني؛ أن تُحسن استقبال الناس، وأن تُنصت إليهم باهتمام، وأن تمنحهم من وقتك ما يشعرهم بأن حكاياتهم تستحق الإصغاء. فليس كل من يبحث عن وظيفة يبحث عن راتب فحسب، بل قد يبحث عن استقرار أسرة، أو سندٍ لأبنائه، أو بداية جديدة بعد تعثّر، أو بابٍ يعبر منه إلى حياة أكثر أمنًا وكرامة.
إن الوظيفة قد تمنح الإنسان دخلًا، لكن الكلمة الطيبة تمنحه قوةً للاستمرار، والاحتواء الصادق يعيد إليه شيئًا من ثقته بنفسه.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن يقدّمه مستشار التوظيف للباحث عن العمل هو أن يجمع بين المعرفة المهنية والرحمة الإنسانية؛ أن يوضح له الطريق، ويصغي إلى احتياجه، ويوجّهه بما يستطيع، دون أن يجرح أمله أو يقلّل من شأن تجربته. فالمهنية الحقيقية لا تتعارض مع اللطف، والأنظمة لا تمنع أن نكون أكثر إنسانية، بل إن رقيّ المؤسسات يظهر في قدرتها على الجمع بين جودة الخدمة وحسن التعامل.
وللأستاذ عيسى جراد أقول: شكرًا لأنك جعلت للقاء معنى يتجاوز حدود المراجعة، وللتعامل أثرًا يتجاوز الكلمات. شكرًا لكل إصغاءٍ صادق، ولكل أسلوبٍ راقٍ، ولكل موقفٍ يشعر فيه الإنسان أن هناك من يتعامل معه بروح المسؤولية، وقلب الأب، واحترام الإنسان للإنسان.
إن أمثال هؤلاء يستحقون الإشادة؛ لأن الأثر الجميل لا يحتاج إلى ضجيج كي يُرى، ولا إلى كلمات مبالغ فيها كي يُقدَّر. يكفي أن يغادر الإنسان المكان وهو يشعر بأن أحدًا قد استمع إليه باهتمام، وفهم ما أمكن من احتياجه، وتعامل معه بإنسانية تحفظ له كرامته.
وفي الختام، أدركت أن بعض المؤسسات لا تُعرَف بما تقدّمه من خدمات فحسب، بل بما تتركه في نفوس مراجعيها من أثر، وأن بعض المستشارين لا يكتفون بإرشاد الناس إلى أبواب الفرص، بل يمنحونهم من حسن التعامل ما يجعلهم أكثر استعدادًا لطرق تلك الأبواب من جديد.
فشكرًا للأستاذ عيسى جراد، ولكل إنسان جعل من عمله رسالة، ومن منصبه مسؤولية، ومن حسن تعامله جسرًا يصل به إلى قلوب الناس.
فحين لا نملك أن نمنح كل إنسان الوظيفة التي يتمناها، فلنمنحه على الأقل كلمةً ترفع معنوياته، وإصغاءً يخفّف عنه، وتعاملًا كريمًا يجعله يغادر وهو أكثر إيمانًا بأن الخير ما زال حاضرًا في هذا العالم.







