الكاتبة والصحفية / وجنات صالح ولي.
نعيش حياتنا معتقدين أننا نعرف تفاصيل أثرنا في الآخرين، وأن الأشخاص الذين تركنا في قلوبهم شيئًا سيخبروننا يومًا بما فعلناه بهم، لكن الحقيقة أن هناك حكايات كثيرة كُتب لنا أن نكون جزءًا منها دون أن نعرف.
ربما أعجب بك شخص يومًا، لكنه لم يمتلك الشجاعة ليخبرك، وربما رآك غريب في أحد الأماكن، فابتسم لأن شيئًا في ملامحك أو تصرفاتك منحه شعورًا جميلًا، بينما كنت تمضي في يومك دون أن تدرك أنك كنت سببًا في تلك الابتسامة. وربما لا يزال هناك شخص يتذكر كلمة طيبة قلتها منذ سنوات، في وقت كنت قد نسيت فيه أنك قلتها أصلًا.
والأجمل من ذلك أن تكون قد منحت إنسانًا سببًا للاستمرار دون أن تعرف، وأن يكون موقف عابر منك قد أعاد إليه إيمانه بنفسه، أو جعله يتراجع عن استسلام كان قريبًا منه. قد لا تعرف أن اسمك ذُكر في حديث لم تحضره، وأن شخصًا دافع عنك في غيابك، وأن آخر ما زال يحتفظ برسالة منك، يعود إليها كلما احتاج إلى شيء من الطمأنينة.
نحن لا نعرف دائمًا كيف نعيش في ذاكرة الآخرين، ولا أيّ نسخة منا بقيت هناك. فقد ينسى أحدهم ملامح وجهك، لكنه يتذكر كيف شعر حين تحدث إليك، وقد تنسى أنت موقفًا عابرًا، بينما يظل ذلك الموقف نقطة تحوّل في حياة إنسان آخر. لهذا لا ينبغي أن نقلل من قيمة الأشياء الصغيرة التي نقدمها، فليس كل أثر يحتاج إلى فعل عظيم، وليس كل جميل نفعله يعود إلينا في صورة شكر أو اعتراف.
لكن الحياة لا تخلو من الجانب الآخر؛ فقد نترك أثرًا جميلًا في أشخاص لم نعد نعرف أخبارهم، وقد يحمل آخرون منا ذكرى لا نستطيع تغييرها. وما بين هذا وذاك، نتعلم أن نكون أكثر وعيًا بما نمنحه للعالم، لا خوفًا من أحكام الناس، بل احترامًا للحياة التي تتقاطع فيها طرقنا مع طرق الآخرين دون موعد.
ولعل أكثر ما يستحق التأمل أننا نقضي وقتًا طويلًا في انتظار أن يخبرنا أحدهم بأننا مهمون، وأن وجودنا أحدث فرقًا، بينما قد نكون بالفعل ذكرى جميلة في قلب شخص لا نعرفه، أو دعوة صادقة من إنسان لم نعلم أننا ساعدناه، أو سببًا صغيرًا جعل يومًا ثقيلًا أقل قسوة.
ليس كل أثر نتركه نراه، وليس كل جميل نفعله نسمع صداه. بعض الأشياء تعيش بعيدًا عنا، في ذاكرة إنسان، أو في ابتسامة عابرة، أو في قرار اتخذه لأنه التقى بنا يومًا.
فامضِ في حياتك، وافعل الخير ما استطعت، وكن لطيفًا دون انتظار مقابل؛ فقد تنسى أنت ما فعلت، لكن الحياة أحيانًا تحفظ عنك ما لم تحفظه ذاكرتك، وتتركه في قلب إنسان آخر شاهدًا على أنك مررت من هنا، ولم يكن مرورك عابرًا كما ظننت.







