​هَنْدَسَةُ القِيَمِ فِي إِدَارَةِ النِّزَاعَاتِ ​مَبْدَأُ دَرْءِ “المَعَرَّةِ” وَأَخْلَاقُ الحَرْبِ المُعَاصِرَةِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

​{وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [سُورَةُ الفَتْحِ: 25].

​يُعَدُّ مُصْطَلَحُ “المَعَرَّةِ” فِي سِيَاقِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أَبْعَدَ مِنْ كَوْنِهِ لَفْظَةً لُغَوِيَّةً تُعَبِّرُ عَنِ الأَذَى أَوِ الإِثْمِ؛ فَهُوَ يُشَكِّلُ مَبْدَأً أَخْلَاقِيّاً وَقَانُونِيّاً رَفِيعاً فِي فَلْسَفَةِ الحُرُوبِ الإِسْلَامِيَّةِ، يُقَابِلُ فِي العَصْرِ الحَدِيثِ مَفَاهِيمَ الضَّرُورَةِ العَسْكَرِيَّةِ، وَالتَّنَاسُبِ، وَحِمَايَةِ المَدَنِيِّينَ.

​حِينَ نَتَأَمَّلُ المَعْنَى القَاضِيَ بِأَنَّ المَعَرَّةَ هِيَ الأَذِيَّةُ، أَوِ الإِثْمُ، أَوِ اللَّوْمُ العَظِيمُ النَّاتِجُ عَنْ إِصَابَةِ بَرِيءٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ، نَجِدُ أَنَّهُ يَضَعُ عَلَى عَاتِقِ الدُّوَلِ وَالجُيُوشِ المَحْتَرِفَةِ عِفَّةً وَأَخْلَاقاً عِبْئاً هَائِلاً؛ يَتَمَثَّلُ فِي أَنَّ حِمَايَةَ الأَرْوَاحِ البَرِيئَةِ، وَدَرْءَ التَّبِعَاتِ المَعْنَوِيَّةِ وَالأَخْلَاقِيَّةِ لِلإِصَابَاتِ غَيْرِ المَقْصُودَةِ، تَظَلُّ مُقَدَّمَةً اسْتِرَاتِيجِيَّةً كُبْرَى عَلَى مُجَرَّدِ حَسْمِ المَعْرَكَةِ.

​أَوَّلاً:

​تَوْظِيفُ مَبْدَأِ “دَرْءِ المَعَرَّةِ” فِي أَدَبِيَّاتِ وَأَخْلَاقِ الحَرْبِ

​لِكَيْ يَتِمَّ تَأْصِيلُ هَذَا المَبْدَأِ العَظِيمِ فِي الفِكْرِ العَسْكَرِيِّ وَالإِنْسَانِيِّ، يَنْبَغِي بِنَاءُ مَنْظُومَةِ عَمَلٍ مُتَكَامِلَةٍ تَقُومُ عَلَى رَكَائِزَ ثَلَاثٍ:

١/​التَّمْيِيزُ الدَّقِيقُ وَاسْتِخْبَارَاتُ الوَعْيِ (اليَقِينُ فِي مُقَابَلَةِ الظَّنِّ):

فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ، جَاءَ التَّحْذِيرُ الإِلَهِيُّ لأَنَّ المُؤْمِنِينَ المُسْتَضْعَفِينَ كَانُوا {لَمْ تَعْلَمُوهُمْ}؛ إِذْ كَانُوا مُخْتَلِطِينَ بِغَيْرِهِمْ. وَيُوَظَّفُ هَذَا فِي أَدَبِيَّاتِ الحَرْبِ الحَدِيثَةِ بِضَرُورَةِ امْتِلَاكِ أَدَوَاتٍ اسْتِخْبَارَاتِيَّةٍ بَالِغَةِ الدِّقَّةِ لِتَجَنُّبِ الخَلْطِ، وَالتَّحَقُّقِ المَيْدَانِيِّ المُسْبَقِ لِمَنَعِ وُقُوعِ الأَخْطَاءِ الَّتِي تَتْرُكُ “مَعَرَّةً” إِنْسَانِيَّةً وَأَخْلَاقِيَّةً لَا تُنْسَى.

٢/​أُنْسَنَةُ العَمَلِيَّاتِ العَسْكَرِيَّةِ (تَغْلِيبُ البُعْدِ الإِنْسَانِيِّ):

إِنْزَالُ مَبْدَأِ دَرْءِ المَعَرَّةِ عَلَى أَرْضِ المَيْدَانِ يَقْتَضِي الاِنْتِقَالَ مِنْ فِكْرَةِ “الرَّدْعِ المَطْلَقِ المُمَزِّقِ” إِلَى فِكْرَةِ “الرَّدْعِ الذَّكِيِّ النَّبِيلِ”، حَيْثُ تُصَمَّمُ العَمَلِيَّاتُ العَسْكَرِيَّةُ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ بِحَيْثُ لَا يَتَحَمَّلُ الأَبْرِيَاءُ وِزْرَ أَفْعَالِ الجَمَاعَاتِ المَارِقَةِ أَوِ المِيلِيشِيَاتِ الإِرْهَابِيَّةِ.

٣/​تَحَمُّلُ المَسْؤُولِيَّةِ الأَخْلَاقِيَّةِ وَالاِعْتِبَارُ القَانُونِيُّ:

“المَعَرَّةُ” تَعْنِي ضِمْناً تَبِعَةَ اللَّوْمِ وَالإِثْمِ وَالوِجْدَانِ المَأْزُومِ؛ لِذَا تُحَتِّمُ الأَدَبِيَّاتُ الحَدِيثَةُ وُجُودَ آلِيَّاتِ مُحَاسَبَةٍ شَفَّافَةٍ، وَتَدَابِيرَ لِجَبْرِ الضَّرَرِ، وَإِغَاثَةً عَاجِلَةً فَوْرِيَّةً لِكُلِّ مَنْ قَدْ يَطَالُهُ عَارِضٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي مَسَارِحِ العَمَلِيَّاتِ.

​ثَانِياً:

​التِزَامُ المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السَّعُودِيَّةِ بِهَذَا المَبْدَأِ فِي إِدَارَةِ النِّزَاعَاتِ

​لَقَدْ جَسَّدَتِ المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السَّعُودِيَّةُ – قَوْلاً وَفِعْلاً – هَذَا المَبْدَأَ الشَّرْعِيَّ وَالأَخْلَاقِيَّ الأَصِيلَ فِي مَسِيرَتِهَا العَسْكَرِيَّةِ وَإِدَارَتِهَا لِلنِّزَاعَاتِ، لَاسِيَّمَا فِي حَرْبِهَا عَلَى جَمَاعَةِ الحُوثِيِّ الإِرْهَابِيَّةِ فِي اليَمَنِ، مُتَّخِذَةً مِنَ القِيَمِ الإِسْلَامِيَّةِ السَّامِيَةِ وَالقَانُونِ الدَّوْلِيِّ الإِنْسَانِيِّ بُوصَلَةً رَاسِخَةً لِعَمَلِيَّاتِهَا، وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ جَلِيّاً فِي مَحَاوِرَ ثَلَاثَةٍ:

١- ​التَّحَفُّظُ الشَّدِيدُ وَحِمَايَةُ المَدَنِيِّينَ رَغْمَ الطَّبِيعَةِ غَيْرِ التَّقْلِيدِيَّةِ لِلْحَرْبِ:

وَاجَهَتِ المَمْلَكَةُ خَصْماً مِيلِيشِيَاوِيّاً إِرْهَابِيّاً يَتَّخِذُ مِنَ المَدَنِيِّينَ وَالمَنَاطِقِ المَأْهُولَةِ دُرُوعاً بَشَرِيَّةً، وَيَمْتَزِجُ بِالسُّكَّانِ تَمَاماً (تَجْسِيداً مُعَاصِراً لِمَعْنَى عَدَمِ التَّمْيِيزِ فِي البِيئَاتِ المُعَقَّدَةِ). وَرَغْمَ ذَلِكَ، التَزَمَتِ القُوَّاتُ المُسَلَّحَةُ السَّعُودِيَّةُ وَقُوَّاتُ التَّحَالُفِ بِأَعْلَى مَعَايِيرِ الاِشْتِبَاكِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي تُحَيِّدُ الأَذَى عَنِ المَدَنِيِّينَ وَالبُنَى التَّحْتِيَّةِ قَدْرَ الاِسْتِطَاعَةِ، تَفَادِياً لأَيِّ “مَعَرَّةٍ” إِنْسَانِيَّةٍ أَوْ أَخْلَاقِيَّةٍ.

٢- إِطْلَاقُ أَكْبَرِ البَرَامِجِ الإِغَاثِيَّةِ وَالإِنْسَانِيَّةِ لِتَصْحِيحِ التَّبِعَاتِ:

لَمْ يَقْتَصِرِ التِزَامُ المَمْلَكَةِ عَلَى الجَانِبِ العَسْكَرِيِّ السَّلْبِيِّ المَتَمَثِّلِ فِي تَجَنُّبِ الأَضْرَارِ، بَلْ تَعَدَّاهُ إِلَى الجَانِبِ الإِيجَابِيِّ الفَعَّالِ عَبْرَ مَرْكَزِ المَلِكِ سَلْمَانَ لِلإِغَاثَةِ وَالأَعْمَالِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَالبَرَامِجِ النَّوْعِيَّةِ الكُبْرَى مِثْلَ مَشْرُوعِ “مَسَامٍ” لِتَطْهِيرِ الأَرَاضِي اليَمَنِيَّةِ مِنَ الأَلْغَامِ الَّتِي زَرَعَتْهَا المِيلِيشْيَا بِعَشْوَائِيَّةٍ تَحْصُدُ أَرْوَاحَ الأَبْرِيَاءِ؛ لِتَكُونَ هَذِهِ الجُهُودُ مَظْهَراً عَمَلِيّاً لِرَفْعِ أَيِّ أَذَىً أَوْ مَعَرَّةٍ عَنِ الشَّعْبِ اليَمَنِيِّ الشَّقِيقِ.

٣- ​الشَّفَافِيَّةُ العَالِيَةُ وَالتَّحْقِيقُ المُؤَسَّسِيُّ (فَرِيقُ تَقْيِيمِ الحَوَادِثِ):

مِنْ أَعْظَمِ دَلَائِلِ الاِلْتِزَامِ الأَخْلَاقِيِّ الرَّفِيعِ لِلْمَمْلَكَةِ هُوَ إِنْشَاءُ الفَرِيقِ المُشْتَرَكِ لِتَقْيِيمِ الحَوَادِثِ (JIAT)، وَهُوَ آلِيَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَشَفَّافَةٌ لِلتَّحْقِيقِ فِي أَيِّ ادِّعَاءَاتٍ حَوْلَ وُقُوعِ أَخْطَاءٍ أَوْ أَضْرَارٍ جَانِبِيَّةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ، مَعَ إِعْلَانِ النَّتَائِجِ بِشَفَافِيَةٍ كَامِلَةٍ، وَجَبْرِ الضَّرَرِ وَالتَّعْوِيضِ عِنْدَ الثُّبُوتِ؛ وَهُوَ مَا يَعْكِسُ تَمَاماً مَفْهُومَ التَّبَرُّؤِ مِنَ الإِثْمِ وَاللَّوْمِ عَبْرَ الحَقِّ وَالعَدَالَةِ وَالاِعْتِرَافِ المَسْؤُولِ.

​خُلَاصَةُ القَوْلِ:

إِنَّ اشْتِقَاقَ السِّيَاسَاتِ العَسْكَرِيَّةِ مِنْ مِشْكَاةِ القِيَمِ القُرْآنِيَّةِ العَظِيمَةِ يُثْبِتُ بِجَلَاءٍ أَنَّ أَصَالَةَ الدُّوَلِ الكُبْرَى تَظْهَرُ فِي قُدْرَتِهَا السَّامِيَةِ عَلَى ضَبْطِ القُوَّةِ بِالأَخْلَاقِ، وَأَنَّ حِمَايَةَ الإِنْسَانِ وَدَرْءَ الأَذَى عَنْهُ تَظَلُّ هِيَ الغَايَةَ العُلْيَا حَتَّى فِي أَتُونِ الحُرُوبِ وَالنِّزَاعَاتِ.

​وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ.

__________________

​د. خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ الزَّهْرَانِيُّ

كَاتِبٌ وَعُضْوُ جَمْعِيَّةِ المُنْتِجِينَ وَالمُوَزِّعِينَ السَّعُودِيِّينَ التَّابِعَةِ لِوِزَارَةِ الإِعْلَامِ

صدى نيوز اس 1

Related Posts

ما لا يعرفه الآخرون عنك

  كاتبة رأي ايمان المغربي ليس كل ما نراه في الآخرين يعبر عن حقيقتهم كاملة فلكل إنسان جوانب لا تظهر في حديثه ولا تكشفها مواقفه اليومية قد نعرف شخصاً لسنوات ونظن أننا أحطنا به معرفة بينما تبقى لديه تجارب وأفكار وقدرات لم تتح له الفرصة ليشاركها مع الآخرين. بعض الناس يحملون خبرات طويلة لا يتحدثون عنها وبعضهم يمتلك قدرات لم يجد الفرصة المناسبة لإظهارها وآخرون مروا…

مقاطعة تيك توك.. حين يتحول صوت المستخدم السعودي إلى رسالة لا يمكن تجاهلها

  مقال/ الإعلامي خضران الزهراني في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، لم تعد هذه المنصات مجرد وسيلة للترفيه أو تبادل المقاطع والصور، بل تحولت إلى ساحات للتعبير عن الرأي، وإبراز الهوية الوطنية، والدفاع عن القضايا التي تهم المجتمع. ومن هنا، تأتي الدعوات المتداولة لمقاطعة تطبيق «تيك توك» لتفتح بابًا واسعًا للنقاش حول حقوق المستخدمين، وعدالة سياسات المنصات الرقمية، واحترام…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

هيئة العناية بالحرمين الشريفين تعزز رسالتها التعليمية عبر معهد الحرم المكي الشريف وفرعه بالمسجد النبوي

هيئة العناية بالحرمين الشريفين تعزز رسالتها التعليمية عبر معهد الحرم المكي الشريف وفرعه بالمسجد النبوي

رئاسة الشؤون الدينية توضح خطيبا الجمعة في الحرمين الشريفين ليوم بعد غد الجمعة 19 جمادى الأولى 1448هـ 

رئاسة الشؤون الدينية توضح خطيبا الجمعة في الحرمين الشريفين ليوم بعد غد الجمعة 19 جمادى الأولى 1448هـ 

أدبي الطائف تمنح العضوية الشرفية للزايدي 

أدبي الطائف تمنح العضوية الشرفية للزايدي 

مدير تعليم الطائف يزور مشروع تطوير الكفاءات الإدارية للمدارس بتعليم الطائف

مدير تعليم الطائف يزور مشروع تطوير الكفاءات الإدارية للمدارس بتعليم الطائف

رئيس غرفة حفرالباطن يستقبل عميد الكلية التقنية ويبحثان تعزيز التعاون

رئيس غرفة حفرالباطن يستقبل عميد الكلية التقنية ويبحثان تعزيز التعاون

ما لا يعرفه الآخرون عنك

ما لا يعرفه الآخرون عنك

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode