ا/محمد باجعفر
جازان /صدى نيوز إس
مجلس “المتنسوِي”:
حين يفقد الرجل بوصلته بين حواشي المجالس
يُحفر في الذاكرة الشعبية التراثية الكثير من الصور الكاريكاتورية التي تلخص تحولات اجتماعية عميقة بأسلوب ساخر وناقد.
ومن أبرز هذه الصور مصطلح “المتنسوِي”؛ ذلك الرجل الذي يتخلى عن سجيته ومروءته وقيم رجولته المعهودة،
ليغرق في تفاصيل ودقائق مجالس النساء، محشوراً بين أدوارهن واهتماماتهن حتى يصبح طرفاً مضحكاً في معادلة لا تخصه.
تتجلى هذه الظاهرة بوضوح طريف في حكاية شعبية ساخرة، تبدأ بتوزيع مضحك للأدوار يكشف عن عمق المفارقة؛ فالنسوة يجتمعن على “اللطائف” والمشروبات والمسليات، بينما يُكلَّف “المتنسوي” بالأعمال الشاقة واللوجستية الثقيلة:
فاطمة تجيب حلى، وعلوية تجيب كيك، وسلمى،عليها الشاي المعطر،
ومها قهوة بن وحليمة تجيب فصفص مصري، وجمعة تجيب فصفص سعودي…
وليلى الطبلة،
وفي المقابل يأتي دور الرجل المتنسوي يتلخص في عبارة:
جيب الفرش والسجاد والمتاكي، وحدد الزمان والمكان، وهات معاك الي تقدر عليه من ماء صحة وحمضيات!
هنا يتجلى دور “المتنسوي” وكأنه عامل خدمات أو “مقاول تنظيم” لهذه السهرة، لا قيمة له سوى تلبية الطلبات وحمل المتاعب، بينما تتكفل النسوة بالاستمتاع. لكن الطريف في الأمر أن هذه السهرات تُطرح تحت شعار براق ومخادع من التحرر المؤقت؛ سهرة “بلا حسيب، ولا رقيب، ولا مسؤولية آباء وأمهات، ولا متابعة زوج واهتمام بالأبناء والبنات”. هي رغبة جامحة في الهروب من أعباء الحياة الواقعية نحو عبثية مطلقة تتمثل في الركض “سرده مرده من قاعة لقاعة، ومن حديقة إلى أخرى، ومن مطعم إلى مقهى”.
ولكن، ما هي النهاية الطبيعية لشخص يلعب دوراً لا يناسبه؟
تأتي الخاتمة لتلخص الحقيقة المرة في قالب تهكمي لا يرحم: يخرج هذا الرجل من السهرة بلا حصيلة حقيقية سوى نقل القيل والقال (“قالت فلانة وقالت علانة”)، ليتحول في النهاية إلى مجرد “متنسوي وأضحوكة”.
إن هذه الحكاية الشعبية البسيطة في ظاهرها، تمثل درساً اجتماعياً عميقاً في أهمية حفظ الهوية والحدود الشخصية. فالرجل حين يتخلى عن وقاره ودوره الحقيقي ليغدو ظلاً للمجالس النسائية، لا ينال احتراماً ولا يحقق مكانة، بل يضع نفسه في موضع التندر والسخرية، فاقداً لبوصلة الرجولة وقيم المسؤولية التي هي أساس حضوره في المجتمع.









