حين تضيق النفوس بالنجاح: الغرور والحسد واغتيال الجمال في الآخرين

بقلم أ. جبران بن زويد العتيبي

ليست المشكلة دائماً في نقص ما نملك، بل أحياناً في الطريقة التي ننظر بها إلى ما يملكه الآخرون. فهناك نفوس لا يزعجها أن تكون بخير فحسب، بل يزعجها أن ترى غيرها بخير أيضاً، ولا يرضيها أن تنجح، حتى تشعر أن نجاح الآخرين ينتقص من مكانتها، وكأن الحياة ساحة منافسة لا تتسع إلا لفائز واحد.

إن شوفة النفس، والغرور، والغيرة المريضة، والحسد، وتتبع عثرات الناس، وملاحقة عيوبهم، ومحاربة نجاحاتهم، ليست مجرد سلوكيات عابرة، بل هي انعكاس لما يسكن داخل الإنسان من اضطراب في نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين.

فبعض النفوس لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عما يدين الآخرين، ولا تفتش عن الجمال لتحتفي به، بل لتجد فيه نقصاً تنتقده.

هناك من لا يرى في إنجازات الآخرين إلا فرصة للتقليل منها، فإذا أبدع أحدهم قالوا: الأمر سهل، وإذا نجح قالوا: الحظ خدمه، وإذا تميز بحثوا عن سبب يشككون به في تميزه، وإذا أخفق لم يجدوا غضاضة في الشماتة به. وكأنهم لا يستطيعون تقبل إنسان ناجح إلا بعد أن ينتزعوا منه قيمة نجاحه بالكلمات والتأويلات والانتقادات.

والأشد غرابة أن بعض الناس يمنحون أنفسهم حق تقييم حياة الآخرين، فيراقبون تفاصيلهم، ويتتبعون خطواتهم، ويحصون أخطاءهم، ويفتشون في نواياهم، ويتصيدون زلاتهم، وكأنهم أوصياء على اختيارات البشر، بينما يغيب عنهم أن الإنسان الذي ينشغل بإصلاح نفسه لا يجد وقتاً كافياً لمطاردة عيوب الآخرين.

إن الانشغال الدائم بعيوب الناس قد يكون ستاراً يخفي عيوباً لا يريد صاحبها مواجهتها في نفسه.

وليس كل نقد دليلاً على الوعي، ولا كل ملاحظة دليلاً على الحكمة، ولا كل صراحة فضيلة. فهناك فرق كبير بين نقد يريد الإصلاح ونقد يريد الإيذاء، وبين نصيحة تحفظ الكرامة وكلمة تتعمد كسر الخاطر، وبين عين ترى الخطأ لتعالجه وعين تبحث عنه لتشهر به.

أما الغيرة، فليست كلها مذمومة؛ فهناك غيرة تدفع الإنسان إلى الاجتهاد والتطور، وتجعله يتطلع إلى الأفضل دون أن يتمنى زوال النعمة عن غيره. وهناك غيرة تتحول إلى حقد مكتوم، لا يهدأ صاحبها إلا إذا تعثر من يتفوق عليه، أو تراجع من يراه منافساً له.

والحسد من أخطر أمراض القلوب؛ لأنه يجعل الإنسان يتألم من نعمة لم تُسلب منه، ويحزن لفرحة لم تنقص من فرحته شيئاً، ويتمنى زوال خير عن غيره دون أن يضيف ذلك إلى حياته أي خير.

وما أضيق الحياة حين يصبح نجاح الآخرين سبباً للحزن، وما أوسعها حين نتعلم أن نفرح للناس كما نفرح لأنفسنا.

ومن صور هذه النفوس أيضاً محاربة النجاح، وهي صورة تتجلى حين يحاول البعض إحباط أصحاب الطموح، والتشكيك في قدراتهم، وتثبيط خطواتهم، وإطفاء حماسهم، لا لوجود خطأ يستوجب التصحيح، بل لأن رؤية الآخرين يتقدمون تثير في داخلهم شعوراً بالعجز أو المقارنة أو الخوف من فقدان المكانة.

فبدلاً من أن يتعلموا ممن سبقهم، يحاولون التقليل منه، وبدلاً من أن يبنوا لأنفسهم طريقاً، ينشغلون بوضع العراقيل في طريق غيرهم.

والحقيقة التي ينبغي أن يدركها الجميع أن التقليل من إنجازات الآخرين لا يصنع لك إنجازاً، وتشويه سمعة الناجحين لا يمنحك مكانتهم، وإطفاء شمعة غيرك لن يجعل نورك أكثر إشراقاً.

فالنجاح الحقيقي لا يحتاج إلى هدم الآخرين، والإنسان الواثق لا يشعر بالتهديد من تألق غيره.

ومن المؤسف أن بعض الناس يخلطون بين التواضع وضعف الشخصية، وبين الثقة بالنفس والتكبر، وبين حفظ الكرامة والتعالي على الآخرين. فالمتواضع يعرف قدر نفسه دون أن ينتقص من أحد، والواثق لا يحتاج إلى استعراض فضائله، وصاحب الخلق الرفيع لا يرى في نجاح غيره إهانة لنجاحه.

أما شوفة النفس، فهي أن يتوهم الإنسان أنه أعلى شأناً من الآخرين، فيتعامل معهم بفوقية، ويستخف بجهودهم، ويستكثر عليهم التقدير، ويظن أن مكانته تمنحه الحق في جرح مشاعرهم أو الانتقاص من قدرهم.

وما علم أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملكه، ولا بمن يعرفه، ولا بما حققه من شهرة أو مكانة، وإنما تظهر في أخلاقه، وتواضعه، وعدله، وطريقة تعامله مع من لا يملك له منفعة.

ومن أعظم الخسارات أن ينجح الإنسان في جمع المال والمكانة، لكنه يفشل في جمع المحبة والاحترام. وأن يمتلك لساناً ينتقد به الجميع، لكنه لا يمتلك قلباً يتسع لتقدير أحد.

دعوا الناس يعيشون حياتهم

ليس من الضروري أن تعجبك اختيارات الجميع، وليس مطلوباً منك أن توافق على كل تصرف، لكن من حق الناس أن يعيشوا حياتهم دون أن يكونوا تحت مجهر أحكامك وانتقاداتك.

ليس كل مختلف مخطئاً، وليس كل ناجح متكبراً، وليس كل صاحب نعمة مستحقاً للحسد، وليس كل من تقدم في الحياة قد أخذ شيئاً من نصيبك.

لكل إنسان رحلته، وظروفه، وأحلامه، ومعاركه التي لا تعرف عنها شيئاً. وربما كان ما تراه سهلاً قد جاء بعد سنوات من التعب والصبر، وما تظنه حظاً كان ثمرة اجتهاد طويل لم تشهد بداياته.

لذلك، قبل أن تنتقد إنساناً، تذكر أنك لا تعرف كل تفاصيل حكايته، وقبل أن تقلل من نجاحه، تذكر أنك لم تعش كل ما تحمله من مشقة، وقبل أن تتمنى زوال نعمته، اسأل نفسك: ماذا أضاف هذا التمني إلى حياتي؟

ارتقِ بنفسك بدلاً من الانشغال بالآخرين

الحياة أقصر من أن نقضيها في مراقبة الناس، والقلوب أثمن من أن نملأها بالحقد، والعمر أغلى من أن نهدره في تصيد الأخطاء وتبادل الانتقادات.

اجعل نجاح غيرك دافعاً لنجاحك، لا سبباً لعداوتك. وإذا رأيت جميلاً فأثنِ عليه، وإذا رأيت مميزاً فأنصفه، وإذا وجدت مخطئاً فانصحه برفق إن كان لنصيحتك موضع، وإذا لم يعجبك أمر فابتعد عنه دون أن تجعل من نفسك قاضياً على حياة الآخرين.

وتذكر أن الأخلاق لا تظهر في طريقة تعاملك مع من تحب فقط، بل تظهر بوضوح في قدرتك على الإنصاف مع من تختلف معه، واحترام من يتفوق عليك، والاعتراف بفضل من لا تحتاج إليه.

فالنفوس الكبيرة تتسع للاختلاف، والقلوب النقية تفرح بالخير أينما كان، والعقول الناضجة تدرك أن نجاح الآخرين لا يلغي فرص نجاحها.

في النهاية، لا تكن ذلك الإنسان الذي يراقب صعود الآخرين أكثر مما يعمل على صعوده، ولا الذي يبحث عن عيوب الناس ليشعر بتفوقه، ولا الذي يضيق صدره حين يرى نعمة على غيره.

كن صاحب نفس كريمة، وقلب سليم، ولسان منصف، وعقل منشغل بما ينفعه.

فالدنيا لا تستحق كل هذا الحقد، والناس لا يستحقون أن نطارد عثراتهم، والنجاح ليس جريمة حتى نحارب أصحابه، والاختلاف ليس مبرراً للإساءة، والنعمة التي عند غيرك ليست خصماً من رصيدك.

واعلم أن الإنسان لا يكبر بتصغير الآخرين، ولا يرتفع بإسقاطهم، ولا يثبت قيمته بالتشكيك في قيمتهم. إنما يكبر بأخلاقه، ويرتفع بإنجازه، ويثبت أصالته حين يستطيع أن يرى النور في الآخرين دون أن يشعر أن نوره قد انطفأ.

فطوبى لمن طابت نفسه، واتسع

صدي نيوز اس 6

Related Posts

السعودية العظمى

دكتور حسن الأمير في أفق المجد الرحب ترتسم المملكة العربية السعودية كلوحة وطن استثنائي صاغ الزمان أمجاده وحرست السماء مقدساته بقيادة حكيمة من ولاة أمرنا حفظهم الله….. هي قصة تلاحم فريدة تمتد على مساحات شاسعة تتلاقى فيها عظمة الروح والوجدان بجمال الأرض وتنوع التضاريس لتؤكد في كل شبر منها أنها وطن الريادة وموئل الأمن والأمان ومهد الحضارة التي تبهر العالم…… تبدأ رحلتنا من قلب الوطن النابض…

حين تكون الكلمة الطيبة عنواناً للإنسان

كاتبة رأي ايمان المغربي للكلمة مكانة كبيرة في تعاملاتنا اليومية فهي وسيلة نعبر بها عن أفكارنا ومشاعرنا ونوصل من خلالها ما نريد إلى الآخرين وقد تكون كلمة بسيطة سبباً في إدخال السرور إلى قلب إنسان أو تخفيف يوم متعب عنه ولا يحتاج الإنسان دائماً إلى عبارات طويلة حتى يعبر عن تقديره لمن حوله فقد تكفي كلمة شكر صادقة أو سؤال يحمل اهتماماً أو دعوة طيبة يشعر…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

أمانة العاصمة المقدسة تبرز مشروعاتها ومبادراتها التطويرية لخدمة ضيوف الرحمن في مؤتمر ومعرض الحج 2026

أمانة العاصمة المقدسة تبرز مشروعاتها ومبادراتها التطويرية لخدمة ضيوف الرحمن في مؤتمر ومعرض الحج 2026

الرحال الهندي الكابتن مير شكيل الرحمن وزوجته الرحالة السعودية الكابتن أمل أحمد يشاركون في بفعالية (شتاء الباحة) 

الرحال الهندي الكابتن مير شكيل الرحمن وزوجته الرحالة السعودية الكابتن أمل أحمد يشاركون في بفعالية (شتاء الباحة) 

رحيل التربوي منصور آل شريم

رحيل التربوي منصور آل شريم

تعليم جازان يحصد المركز الأول وطنيًا للعام الثاني على التوالي في التميز المدرسي

تعليم جازان يحصد المركز الأول وطنيًا للعام الثاني على التوالي في التميز المدرسي

في مشهد إيماني مؤثر.. وافد غاني يُشهر إسلامه في جامع الشيخ عبدالله الراجحي بمحافظة بيش

في مشهد إيماني مؤثر.. وافد غاني يُشهر إسلامه في جامع الشيخ عبدالله الراجحي بمحافظة بيش

السعودية العظمى

السعودية العظمى

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode