بين سوق الهوى وجراح القلوب

 

بقلم / احمد علي بكري

ما أسهل أن تنطلق الكلمات من شفاه من نحبهم، وما أشد وقعها حين تسقط على قلوبنا كحجارةٍ من سجيل.

“ابحث عن حبٍ آخر”

هكذا، ببساطة شديدة، وكأن الحب متوفرٌ كما تُعرض السلع في الأسواق، وكأن القلوب تُبدل كما تُبدل الثياب بين الفصول.

لا يدرك من ينطقها أن في قلب المحب، الحب ليس خيارًا بين بدائل، بل مصيرًا كُتب، ونقش في أعماق الروح نقشًا لا يُمحى.

ليس الحب نزوةً تُستهلك وتُنسى، بل هو جذورٌ ضاربة في الأرض، أغصانها تلامس السماء وأوراقها تتنفس الشوق مع كل نسمة هواء.

حين يسمع العاشق هذه العبارة، لا يسقط وحده، بل تسقط معه كل ذكرياته الجميلة، كل اللحظات التي اعتقد أنها متبادلة، كل نظرة ظن فيها أن العيون قالت ما لم تفصح به الشفاه.

ينهار داخله وطنٌ كان قد بناه من الأحلام، ويجد نفسه طريدًا على أرصفة الخيبة، حاملاً قلبه المنكسر بين يديه، يبحث في العيون عن بقايا إجابة أو شفقة.

وإن كان المحبوب قد نطقها رغبةً في التخفيف، فكم قسوةً تختبئ خلف رحمةٍ كهذه؟!

أليس الأجدى أن يُحتضن الجرح لا أن يُنكر، أن يُمسح الدمع لا أن يُستهان به؟

إن القلوب التي أحبت بصدق، لا تعرف طريقًا آخر، ولا ترى بديلاً ولا عوضًا.

المحب لا يبحث عن حب جديد كما يبحث العطشان عن بئرٍ آخر، بل يعيش مأساته، يقبلها، يضمدها، وقد يقضي عمره باحثًا عن شبيهٍ مستحيل، فلا يجد سوى السراب.

ولو تبدلت الأدوار، ولو كان المحبوب هو المحب المهجور، لأدرك كيف تصرخ الروح صمتًا حين يُطلب منها أن تُغير ولاءها، أن تُكف عن الخفقان، أن تمسح بحركةٍ خائنة تاريخًا من التوق واللهفة.

الحب الحقيقي وطن لا يفرط فيه القلب، حتى لو انهدم، حتى لو خلا من سكانه.

هو البصمة التي لا تمحى، هو النار التي لا تخبو مهما هبّت عليها رياح العمر.

فيا من تنطقون هذه الكلمات خففوا عنا رحمةً، لا جرحًا، واذكروا أن القلوب ليست بقالات ولا أسواق، وأن المحب لا يملك قلبه حتى يسلمه لآخر كما يسلم المسافر حقائبه عند أبواب السفر.

أليس في القلب شيء من الوفاء لمن أهداه نفسه؟

أليس للذكرى حرمة، وللمحبة قدسية، مهما انتهت الحكايات؟

وخاتمة القول،

يا مَنْ بُليتُ بحبِّه فاستعصما

وتركني حيرانَ أشكو الألما

قال ارحل ابحث عن هوىً غير الهوى

وكأن قلبي كان شيئًا يُهدما

ويلي عليهِ وكيف أنسى مغرما؟

ما كان حلمي في الهوى أن أنثني

بل كان حلمي أن نعيش تكرُّما

صدى نيوز إس 5

Related Posts

الغباء ليس عيباً

عبدالله الميمان الذكاء جودة الفهم وحسن استعماله، والغباء ضعف هذا الفهم أو قصور فيه. أما الأخلاق فشيء آخر تماماً: صدق، عدل، تواضع، ومسؤولية عما نستطيع أن نغيّره. لذلك، الغباء ليس عيباً أخلاقياً. فالعيب ما يختاره الإنسان كالكذب، والظلم، والتكبر. أما بطء الفهم فغالباً لا يُختار. بعض الناس أسرع فهماً وبعضهم أبطأ، وهذا فرق قدرة لا فرق قيمة. والتباين طبيعي، فيه الذكي وفيه الأذكى، لا صنفان فقط.…

جمعية خبراء السياحة.. حين تتحول الخبرة إلى أثر

بقلم أ. غميص الظهيري في وطنٍ تتسارع فيه خطوات التنمية، وتتسع فيه آفاق الطموح، أصبحت السياحة السعودية واحدة من أبرز ملامح التحول الذي تشهده المملكة، ليس بوصفها قطاعًا اقتصاديًا واعدًا فحسب، وإنما باعتبارها جسرًا يصل المملكة بالعالم، ويقدم ثراءها الحضاري والثقافي والطبيعي، ويمنح الزائر فرصة لاكتشاف وطنٍ يمتلك من التنوع والإرث والمقومات ما يجعله وجهة استثنائية. وفي خضم هذا الحراك المتنامي، تبرز جمعية خبراء السياحة بوصفها…

لقد فاتك ذلك

الدكتور علي مرزوق يشارك ببحث عن “الآثار الغارقة” في الملتقى الـ25 لجمعية التاريخ والآثار الخليجية

الدكتور علي مرزوق يشارك ببحث عن “الآثار الغارقة” في الملتقى الـ25 لجمعية التاريخ والآثار الخليجية

الغباء ليس عيباً

الغباء ليس عيباً

علي آل شرية مدير لإدارة المسؤولية المجتمعية بجامعة نجران

علي آل شرية مدير لإدارة المسؤولية المجتمعية بجامعة نجران

مزرعة بوابة الحجاز تحتضن الرحلة العائلية الفنية الثامنة والثلاثون وتكرّم الكابتن جلال الغربي

مزرعة بوابة الحجاز تحتضن الرحلة العائلية الفنية الثامنة والثلاثون وتكرّم الكابتن جلال الغربي

مهرجان الرطب الثالث بمدينة سكاكا يعزز حضور المنتجات الزراعية المحلية ويدعم الشراكات المجتمعية

مهرجان الرطب الثالث بمدينة سكاكا يعزز حضور المنتجات الزراعية المحلية ويدعم الشراكات المجتمعية

منار الهجرسي تحصد جائزة أفضل ممثلة في مهرجان فيمتو آرت عن «وعد التراب»

منار الهجرسي تحصد جائزة أفضل ممثلة في مهرجان فيمتو آرت عن «وعد التراب»

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode