د. منصور نظام الدين؛
جدة:-
في عالم يتسارع فيه الزمن، تهمس جدة التاريخية بدعوة صريحة من كلمة واحدة: “وقّف”، وهي ليست مجرد كلمة، بل رسالة تدعوك لتبطئ من نمط الحياة السريع للاستمتاع بتفاصيل ومشاعر لا يمكن توثيقها إلا هنا، حيث يتحرك المكان بإيقاعه الخاص والفريد.
وتعتبر جدة التاريخية متحفًا مفتوحًا لعشاق الفنون والعمارة؛ فكل زاوية فيها تدعوك للتوقف وتأمل تفاصيل تحكي تاريخ المكان، حيث تبرز البيوت القديمة مثل “بيت نصيف”، “بيت باعشن”، و”بيت شربتلي” كأبطال للمشهد البصري، بنقوشها الخشبية وأبوابها المزخرفة التي تروي حكاية جمال راسخ عبر القرون، وهذه التفاصيل المعمارية، من “الرواشين” إلى المشربيات، توفر خلفيات ساحرة تتحول بعدسة الكاميرا إلى قطع فنية نابضة بالحياة.
أما السر الحقيقي للمصورين المحترفين في جدة التاريخية فيكمن في مراقبة تبدل المشاهد مع تغير أوقات النهار؛ حيث تتشكل ملامح المكان وتتبدل مع الضوء، مما يجعل كل لحظة فريدة من نوعها. في الصباح، تتسلل خيوط الشمس عبر الأزقة لترسم ظلالًا هندسية مذهلة، بينما يمنح المساء “البرحات” مثل “برحة نصيف” و”برحة ذاكر” إضاءة دافئة تجعل من المكان وجهة مثالية لصناعة محتوى بصري غني.
ولا يقتصر التصوير في جدة التاريخية على الحجر، بل يمتد لتوثيق حياة الأسواق التقليدية؛ ففي “سوق العلوي” و”سوق ندى” و”شارع قابل”، تُحفظ الحكايات بين الممرات القديمة حيث ما زالت أصوات الباعة تعيدنا لزمن كانت فيه التجارة أسلوب حياة. كما تضفي الأيدي المبدعة في “رواق الحرفيين” و”زاوية 97″ بُعدًا إنسانيًا وعفويًا للمحتوى، حيث يُصاغ التراث في قطع يدوية تحمل توقيع صانعيها وذاكرة المكان.
وما يجعل جدة التاريخية مكانًا استثنائيًا للتوثيق هو قدرتها على الجمع بين عمق الأصالة وحيوية الحاضر؛ إذ تحتضن معالم دينية وتاريخية عريقة مثل جامع الشافعي ومسجد عثمان بن عفان، إلى جانب بيوتها وأسواقها القديمة التي تعكس تحوّلات المكان واستمرارية الحياة فيه، وتمنح الزائر مشاهد ثرية توثّق ذاكرة المدينة وتفاصيلها المتجددة.
ويأتي ذلك ضمن برنامج “شتاء السعودية” الذي أطلقته الهيئة السعودية للسياحة تحت شعار “حيّ الشتاء”، ويضم باقة من الوجهات الشتوية المتنوعة، تشمل الرياض، وجدة، والعلا، والدرعية، والبحر الأحمر، والمنطقة الشرقية إلى جانب وجهات أخرى نوعية تعكس التنوع الطبيعي، والثقافي، والتجارب السياحية التي تزخر بها المملكة خلال موسم الشتاء.







