ا/محمد باجعفر
حين تكون صادقًا حتى في تفاصيلك الصغيرة،
وتمنح ثقتك كما لو أنها عهدٌ لا يُنقض،
تكتشف متأخرًا أن الطرف الآخر
كان يزن الكلمات بميزان المصلحة،
لا بميزان الصدق.
هناك من يتقن ترتيب الأكاذيب
كما يُرتّب العاقل حججه،
يختار لكل موقف رواية،
ولكل سؤال إجابة جاهزة،
ولكل شكٍّ قصةً تُخدّر الحقيقة.
يظن أن كثرة الكلام
تُربك السامع،
وأن تكرار العذر
يحوّل الكذب إلى احتمالٍ مقبول.
لكنه ينسى أمرًا بسيطًا:
أن الكذب عبءٌ ثقيل،
وصاحبه يظلّ منشغلًا
بترميم رواياته القديمة،
وخياطة تمزّقاتها،
والخوف من لحظة سقوطها.
حبل الكذب قصير،
ليس لأنه ينقطع سريعًا فقط،
بل لأن صاحبه يشدّه بيديه
كلما حاول إطالة عمره.
وعندما تعود الحكاية للبداية،
لا تعود كما كانت،
فالبراءة التي منحتها مرة
لا تُمنح مرتين،
والثقة التي تُكسر
لا تُلصق كما كانت،
حتى لو اعتذر صاحبها ألف مرة.
تتكشّف الأعذار واحدًا تلو الآخر،
وتسقط الشكاوى المصطنعة
كأوراقٍ يابسة في أول ريح.
وتظهر الحقيقة عارية:
أن الانشغال لم يكن انشغالًا،
والظروف لم تكن ظروفًا،
وأن وراء الصمت
حكاية لا يريدون قولها.
كثرة الاتصالات لا تعني اهتمامًا،
وأحيانًا تكون مجرد محاولة
لإبقاء الخيط موصولًا
حتى لا تُكتشف اللعبة.
لكن التجاهل عند لحظة الحقيقة
هو الاعتراف الذي لا يُكتب.
المؤلم ليس الكذب ذاته،
بل استهانة الكاذب بعقول الآخرين،
وظنّه أن القلوب الطيبة
لا ترى،
ولا تفهم،
ولا تربط بين الأحداث.
والأقسى من ذلك
أن يعتاد الكاذب الدور،
فيُصدق نفسه،
ويعيش داخل روايته
حتى يصبح الصدق بالنسبة له
أمرًا غريبًا ومزعجًا.
وفي النهاية،
لا أحد يخسر من الكذب
أكثر من صاحبه.
فالناس قد تُخدع مرة،
لكنها لا تُخدع إلى الأبد،
ومن يسير طويلًا في طريق الخداع
يصل يومًا
ولا يجد حوله أحدًا يصدّق كلمة.
ويبقى الصادق،
حتى لو خسر بعض الأشخاص،
رابحًا نفسه،
مرتاح الضمير،
واضح الوجه،
لا يخشى سؤالًا
ولا يرتبك من مواجهة.
فالصدق راحة،
والكذب مؤقت،
وما بُني على وهم
يسقط عند أول حقيقة.
إن أردت، أكتب لك نسخة أشد قسوة وواقعية أو نسخة شاعرية عاطفية.






