مكة المكرمة:-بقلم الدكتور /
مازن إسماعيل
في عالم الكيمياء والمواد المتقدمة، يبرز مفهوم الانتقائية الفراغية (Enantioselectivity) كأحد أعمدة صناعة الأدوية والمواد الذكية. القدرة على التمييز بين شكلين فراغيين للجزيء (المتماكبات الضوئية) قد تعني الفرق بين دواء فعّال وآخر عديم الجدوى أو حتى ضار. ومن هنا، جاء الاهتمام المتزايد بالبنى فوق الجزيئية الكيرالية (Chiral Supramolecular Architectures)، وهي هياكل نانوية تتشكل عبر التجميع الذاتي للجزيئات، وتتميز بخصائص حلزونية يمينية أو يسارية.
في هذا السياق، قدّم الباحث Mendi Bkhit وزملاؤه في مجلة Science China Materials دراسة رائدة حول النانوزيمات الحلزونية الكيرالية (Chiral Helical Nanozymes)، مع التركيز على خاصية لم تُدرس بعمق من قبل: screw pitch (طول الخطوة الحلزونية)، أي المسافة بين لفتين متتاليتين في البنية الحلزونية. استخدم الفريق جزيء DAIPA (5-aminoisophthalic acid dimer: ثنائي حمض 5-أمينو إيزوفثاليك)، وبوساطة الكحول تمكنوا من بناء شرائط نانوية حلزونية يمينية (P) ويسارية (M). المثير أن طول الخطوة الحلزونية يمكن ضبطه من 360 إلى 3152 نانومتر ببساطة عبر تغيير نوع الكحول ونسبة الكحول/الماء، حيث لعبت الروابط الهيدروجينية بين جزيئات DAIPA دورًا أساسيًا في تشكيل هذه البنية.
وعند تغليف هذه الشرائط بجسيمات Fe₃O₄ nanoparticles (جسيمات نانوية من أكسيد الحديد المغناطيسي)، ظهرت خصائص تحفيزية مميزة: النانوزيم الحلزوني الأيمن (P-DAIPA-Fe₃O₄) كان أكثر فاعلية تجاه S-DOPA (المتماكب الضوئي S لجزيء DOPA: ثنائي هيدروكسي فينيل ألانين)، بينما النانوزيم الحلزوني الأيسر (M-DAIPA-Fe₃O₄) فضّل الشكل الآخر R-DOPA. والأهم أن الدراسة أثبتت وجود علاقة عكسية بين طول الخطوة الحلزونية والانتقائية الفراغية؛ فكلما قصر الـ screw pitch، زادت قدرة النانوزيم على التمييز بين المتماكبات الضوئية، مع عوامل انتقائية تراوحت بين 1.52 و2.01.
هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام تصميم نانوزيمات كيرالية ذات انتقائية قابلة للضبط، وتطوير تقنيات جديدة في التخليق الانتقائي (Enantioselective Synthesis)، وصولًا إلى تطبيقات دوائية أكثر نقاءً وفعالية، حيث النقاوة الضوئية أمر بالغ الأهمية.
التحكم في طول الخطوة الحلزونية ليس مجرد تعديل شكلي، بل هو مفتاح ميكانيكي لضبط الانتقائية الفراغية. هذه الدراسة تمثل خطوة متقدمة نحو فهم العلاقة بين البنية الحلزونية والوظيفة التحفيزية، وتؤكد أن الهندسة الجزيئية قادرة على فتح آفاق جديدة في الكيمياء والطب. إنها مثال حي على كيف يمكن للعلم أن يترجم البنية إلى وظيفة، وأن يقربنا أكثر من تصميم مواد ذكية تستجيب بدقة لاحتياجات الصناعة والدواء.







