سباق المعايدة .. تهاني بلا زمان .. ومشاعر بلا مكان

 

اللواء متقاعد محمد فريح الحارثي

بينما نعيش اللحظات الأخيرة من رمضان بروحانية لا تتكرر، وبينما يلهج الكثيرين بالدعاء في “ساعة الاستجابة” قبيل غروب شمس اليوم الأخير، تقتحم سكون خلوتنا مع الله في ذلك الوقت الثمين تنبيهات إشعارات، وهجمات رسائل “النسخ واللصق”، تعلن حلول العيد والناس لا تزال في عبادة الصيام!

سباقٌ العجلة ورمضان لم يرحل بعد.

إن ما نشهده من استعجال بالتهنئة منذ عصر التاسع والعشرين، أو ضحى الثلاثين من رمضان، ليس مجرد “حرص على الود” كما يظن البعض، بل هو في الحقيقة ارتباك فكري أفقدنا وقار الحاضر.

نحن في سباق محموم كل عام على لقب “أول المهنئين”، وكأننا نحصل على جائزة لمن يكسر هيبة الوداع ويقفز فوق سور الشعيرة.

لقد أصبحنا نعيش في “المستقبل القريب” وتركنا “لحظة الآن”يضيع من بين أيدينا.

كيف نجرؤ على التهنئة بشعيرة العيد ونحن لا نزال في حضرة روحانية شعيرة رمضان؟ وكيف نستبدل دعوات القبول بعبارات “كل عام وأنتم بخير” قبل أن تبتل عروق الصائمين بالافطار؟

تعظيم الشعائر.. أدبٌ مع الزمان

إن جوهر التدين يقوم على توقير ما وقّره الله من أوقات وأزمان، وقد قال الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. ومن تعظيم الشعيرة أن نوفيها حقها من الزمان، فلا نستعجل رحيلها، ولا نتجاوز حدودها بضجيج التهاني قبل أوانها.

الجمال في العيد ليس في الكلمة ذاتها، بل في توقيتها. التوقيت هو روح الشعيرة؛ فالأذان لا يُرفع قبل وقته، والإفطار لا يحل قبل غروب الشمس. فلماذا استبحنا حق “الزمن الديني” بالتهنئة قبل أوانها؟ إن هذا الاستعجال هو “تهنئة بلا زمان”، ومشاعر “بلا مكان”، تؤدي في النهاية إلى تبلد الإحساس بقيمة اللحظة.

عبودية “البرودكاست”

لقد سلمنا وعينا لميزة “الإرسال الجماعي” التي أفرغت التهنئة من صدقها. أصبح المرء منا يفرغ ما في جعبته من رسائل “لرفع العتب” وتبرئة الذمة، حتى لو اقتضى الأمر أن يبارك بالعيد قبل ثبوت الهلال بساعات! إنها حالة من الفوضى الاجتماعية التي تحتاج منا وقفة جادة؛ لنعيد للكلمة وزنها، وللوقت قدسيته.

كلمة أخيرة: كن صادقاً لا سابقاً

ليس الفضل لمن سبق، إنما الفضل لمن صدق. إن احترام التوقيت هو جزء من توقير الشعيرة. دعونا نتذوق خلاصة عبادة الوداع في رمضان قبل حلاة العيد. دعونا نغلق هواتفنا في تلك الساعات الثمينة قبيل الغروب، لنستعيد عقولنا من أسر “البرودكاست”، ونعيد للعيد هيبته بالانتظار الجميل. فالجمال الحقيقي يكمن في أن نكون أصدق الواصلين لا أولهم.

وكل عام ونحن وانتم ممن يُعظم شعائر الله .

صدى نيوز اس 1

Related Posts

المملكة العربية السعودية.. قوة إقليمية فاعلة ومحرك رئيسي للاستقرار والتنمية

بقلم : كمال فليج _ الجزائر تواصل المملكة العربية السعودية تعزيز مكانتها كإحدى أبرز القوى الإقليمية المؤثرة في منطقة الشرق الأوسط، مستندة إلى ثقلها السياسي والاقتصادي والديني، ودورها المتنامي في دعم الأمن والاستقرار الإقليميين، فضلاً عن مساهمتها الفاعلة في معالجة القضايا الدولية وتعزيز التعاون بين الشعوب والدول. وتتمتع المملكة بموقع استراتيجي يربط بين قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا، ما جعلها لاعباً محورياً في حركة التجارة والطاقة العالمية.…

كبرياء الطين

  عمار عبد الواحد العراق ما كان وهما صمود الملح في المطر لكنه الكبر يخفي عورة الصغر قلت الفراق سحاب لا يبللني وان قلبي صخر غير منكسر حتى اطلت من الماضي ملامحهم فاورق الجمر في طيات مدكالز فكيف اكذب والانقاض شاهدة اني هويت ككأس من شذا الزه مرو خفافا كأن الارض ما عرفت خطاهم غير ان الحشو في اثري يا راحلين وما راحت اصابعهم عن عنق…

لقد فاتك ذلك

ميساء عقيل في حوار خاص لصحيفة صدى نيوز إس: الإعلام رسالة ومسؤولية قبل أن يكون مهنة

ميساء عقيل في حوار خاص لصحيفة صدى نيوز إس: الإعلام رسالة ومسؤولية قبل أن يكون مهنة

وزير الدفاع الأمريكي: واشنطن ستستأنف العمل العسكري وتعيد الحصار إذا لم تلتزم إيران بتعهداتها

وزير الدفاع الأمريكي: واشنطن ستستأنف العمل العسكري وتعيد الحصار إذا لم تلتزم إيران بتعهداتها

المملكة العربية السعودية.. قوة إقليمية فاعلة ومحرك رئيسي للاستقرار والتنمية

المملكة العربية السعودية.. قوة إقليمية فاعلة ومحرك رئيسي للاستقرار والتنمية

كبرياء الطين

كبرياء الطين

مدير تعليم الطائف يزور مدرسة متوسطة أحد ويشيد بالجهود المبذولة 

مدير تعليم الطائف يزور مدرسة متوسطة أحد ويشيد بالجهود المبذولة 

بين القلق واليقين

بين القلق واليقين

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode