✍️ بقلم: وجنات صالح ولي
نعيش أعمارنا وكأنها سباقٌ طويل، نركض فيه خلف الغد، ونؤجل الفرح إلى وقتٍ “أنسب” قد لا يأتي أبدًا، وبين هذا الركض تمرّ لحظاتٌ صغيرة، هادئة، خفيفة، لكنها ثمينة كأنها عمرٌ كامل، ثم تمضي دون أن نشعر، كأن أحدهم سرقها من بين أيدينا دون استئذان. ليست كل اللحظات المسروقة مؤلمة، فبعضها نحن من نفرّط به طوعًا، حين ننشغل، أو نتردد، أو نظن أن الفرح يمكن تأجيله، نؤجل كلمة، ونؤجل لقاء، ونؤجل شعورًا كان يستحق أن يُعاش في وقته، ثم نكتشف متأخرين أن تلك اللحظة لم تنتظرنا. وهناك نوعٌ آخر أكثر قسوة، لحظاتٌ سُرقت منا ونحن بكامل وعينا، حين سمحنا لأشخاصٍ بالدخول إلى تفاصيلنا، فعبثوا بهدوئنا، وأربكوا أفكارنا، وسحبوا من أرواحنا صفاءها دون أن نشعر، سرقوا منا راحة كنا نظنها ثابتة، وتركوا فينا ضجيجًا لا يشبهنا. لكن، وفي زاويةٍ أخرى من الحياة، هناك سرقة جميلة لا تُدان بل تُحمد، أن تسرق لحظة من وقتك لتطمئن على من تحب، أن تبادر برسالة، أو مكالمة، أو حتى دعاءٍ صادق، أن تختطف من زحام يومك دقيقةً صادقة تعيشها بكامل إحساسك، دون حسابات، دون تردد. تلك اللحظات الصغيرة التي نسرقها بوعي هي في الحقيقة ما يُبقي قلوبنا حيّة، هي الذكريات التي لا يبهت لونها مهما مرّ عليها الزمن، لحظة ضحك عابرة، كلمة دافئة، صوتٌ مألوف، أشياء بسيطة لكنها حين تُفقد ندرك كم كانت عظيمة. الحقيقة التي لا نحب الاعتراف بها أن كثيرًا من لحظاتنا لم تُسرق منا، نحن من تركناها تذهب، تركناها حين لم نعشها كما يجب، حين سمحنا لكل شيء أن يكون أولوية إلا أنفسنا ومشاعرنا. ولهذا، ربما حان الوقت أن نُعيد ترتيب المعادلة، أن نحرس لحظاتنا كما نحرس أشياءنا الثمينة، وأن نختار من نُدخله إلى تفاصيلنا بعناية، وأن نُدرك أن الفرح لا يحتاج إذنًا، بل يحتاج قرارًا، عش لحظتك ولو كنت وحدك، افرح ولو لم يشاركك أحد، واسرق من الوقت ما يكفي لتبقى إنسانًا يشعر، لا مجرد شخصٍ يمرّ بالحياة مرورًا عابرًا، ففي النهاية ليست الحياة بعدد السنوات، بل بعدد اللحظات التي عشناها بصدق قبل أن تُسرق منا.






