“مهرجان الفنون التقليدية” يسبر أغوار “الدحة” في ورشة عمل تحليلية

جدة: مشعل الثبيتي. متابعات

شهدت فعاليات “مهرجان الفنون التقليدية” الذي تنظمه وزارة الثقافة، إقامة ورشة عمل تفاعلية متخصصة بعنوان “فن الدحة كتحليل ثقافي أدائي”، قدمها الدكتور سمير الضامر، وسط حضور كثيف ونقاشات حيوية من زوار المهرجان والباحثين والمهتمين بالتراث الثقافي.

واستعرض الدكتور سمير الضامر خلال الورشة النطاق الجغرافي الواسع لفن “الدحة” في شبه الجزيرة العربية، مبيناً تركزها في شمال المملكة العربية السعودية في مدن وعرعر، والجوف، والقريات، وتبوك، وامتدادها إلى بادية الشام، ومناطق من الأردن، وشمال العراق.

وأشار إلى أن هذا الفن العريق يرتبط تاريخياً بقبائل عربية قديمة، أشهرها قبائل عنزة وربيعة، حيث تشير الروايات إلى أن جذورها التاريخية تعود إلى معركة “ذي قار” الشهيرة، حين استُخدمت كوسيلة حربية لإثارة الحماس بين الفرسان، وبث الرعب في صفوف العدو ورفع معنويات المقاتلين، عبر تكتيك يعتمد على تقليد زئير الأسود وهدير الجمال، وهي العناصر الصوتية التي بقيت جزءاً أساسياً من الأداء حتى يومنا هذا.

وتطرق الدكتور الضامر في تحليله الثقافي والأدائي إلى المكونات الأساسية للدحة، موضحاً أنها منظومة أدائية كاملة تتشكل من أربعة عناصر رئيسية، تبدأ بـ”الوصف أو الوصيف” وهو الشعر، ثم “الصف”، يليه “الدحة” المتمثلة في الأداء الصوتي والحركي، وأخيراً “الحاشي”.

وبيّن أن الدحة تُعد فناً صوتياً جماعياً بامتياز، يعتمد على تعدد الطبقات الصوتية وليس الأداء الفردي، حيث ينبع جماله من اختلاف طبقات الأصوات، والتدرج الصوتي، والانسجام الجماعي الدقيق.

وفي مقاربة فنية لافتة، شبّه المحاضر التصاعد الأدائي في الدحة بالبناء الدرامي في المسرح، حيث تمر بمراحل تبدأ بهدوء وصوت منخفض، ثم يرتفع الإيقاع تدريجياً وصولاً إلى ذروة الحماس، لتنتهي بصيحة جماعية يعقبها توقف قصير ثم استئناف للأداء. وعادة ما يبدأ هذا الأداء فور انتهاء الشاعر من قصيدته، ليستمر لمدة تتراوح بين 10 إلى 20 دقيقة، وهي مدة غير ثابتة تخضع لحماس المشاركين وشجاعة المؤدين وطبيعة المناسبة.

وتناولت النقاشات الدلالات الرمزية العميقة لهذا الفن، حيث يعكس التداخل بين الصوت البشري والحيواني تحويلاً للطبيعة إلى لغة أدائية؛ فزئير الأسد يرمز للشجاعة، وهدير الجمال يرمز للقوة والتحمل، بينما يجسد الصوت الجماعي التضامن واللحمة القبلية والاجتماعية. كما توقف الدكتور الضامر عند دلالات “الحاشي”، وهو اسم يُطلق على صغير الإبل ضمن سياق هدير الجمال، موضحاً أن الحاشي شخص يقف أمام الصف حاملاً سيفه ليؤدي حركات استعراضية، وكان هذا الدور يُسند قديماً لامرأة تمثل “العطفة” في الحروب القديمة لبث الحماس، وغالباً ما تكون من عائلة قيادية في القبيلة، قبل أن يُستبدل في العصر الحديث برجال يؤدون هذا الاستعراض.

واختُتمت الورشة بتوضيح التغيرات الحديثة التي طرأت على “الدحة” في سياقها الثقافي والاجتماعي، مثل اختفاء الحاشي في بعض الأماكن، ودخول عناصر استعراضية جديدة، واستخدام مكبرات الصوت.

وتطرق الدكتور الضامر اللبس الشائع بين “الدَّحة” و”الدَّحيَّة”، مؤكداً أن “الدَّحة” هي الفن الأدائي الأصيل الذي يُؤدى بالصفق بالكفوف وهز الأكتاف وتحريك الرؤوس بأصوات الزئير والهدير، في حين أن “الدَّحيَّة” هي فلكلور شعبي مختلف يُؤدى في الأردن وفلسطين وسوريا، ترافقه إيقاعات وطبول ومؤثرات صوتية، ويُسمى الشعر الذي يسبقها بـ”السامر”، لتسهم هذه الورشة في تصحيح المفاهيم وتأصيل المعرفة بتراث المملكة العريق.

وشكلت الورشة مساحة تفاعلية حية مكنت الحضور من الانتقال من موقع المتلقي إلى دور الممارس، عبر تجربة أداء مباشرة لتعلم الفنون الأدائية التقليدية واستكشاف أبعادها الثقافية والتاريخية على يد خبراء ومختصين.

سلمي

Related Posts

هيئة الترفيه: أكثر من 89 مليون زائر لقطاع الترفيه في المملكة خلال 2025  

  عبدالله الينبعاوي _جدة علنت الهيئة العامة للترفيه(GEA) ، في تقريرها السنوي لقطاع الشؤون التنظيمية لعام 2025، أن عدد زوار قطاع الترفيه بالمملكة للعام الماضي تجاوز 89 مليون زائر، ما يعكس حجم الحراك الذي يشهده القطاع ونموه، ضمن منظومة تنظيمية تستهدف رفع جودة التجربة وتعزيز الامتثال وتطوير الإجراءات ذات العلاقة. وأوضح التقرير أن القطاع شهد تنظيم 1,690 فعالية بإجمالي 75,661 يوم فعالية، وبمشاركة 6,778 شركة ضمن…

الملك فيصل في الوجدان الجمعي: حضور يتجاوز اللحظة التاريخية..ورمزاً راسخاً في العالمين العربي والإسلامي 

عبدالله الينبعاوي _الرياض بحضور صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل رئيس مجلس إدارة مركز اللك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، نظّم مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ضمن برنامجه “الفيصل الثقافي”، أمس، محاضرة بعنوان “الفيصل في الذاكرة الشعبية”، قدّمها المستشار أول في وزارة الثقافة سعد الثنيان، وحاوره الباحث والكاتب قاسم الرويس. وانطلقت المحاضرة من فكرة أن الملك فيصل – رحمه الله – لم يكن مجرد قائد سياسي،…

لقد فاتك ذلك

مستشفى الأطفال بمدينة الملك سعود الطبية يحتفي باليوم العالمي للخدمة الاجتماعية ببرنامج ترفيهي يُدخل البهجة على المرضى

  • By
  • أبريل 3, 2026
  • 14 views
مستشفى الأطفال بمدينة الملك سعود الطبية يحتفي باليوم العالمي للخدمة الاجتماعية ببرنامج ترفيهي يُدخل البهجة على المرضى

فريق رواسي مكة يغادر إلى محافظة الحائط للمشاركة في فعالية تراثية

  • By
  • أبريل 3, 2026
  • 14 views
فريق رواسي مكة يغادر إلى محافظة الحائط للمشاركة في فعالية تراثية

مستشفى الملك عبدالعزيز يُفعّل اليوم العالمي للدرن في ممشى اليمامة

  • By
  • أبريل 3, 2026
  • 17 views
مستشفى الملك عبدالعزيز يُفعّل اليوم العالمي للدرن في ممشى اليمامة

أمير جازان يتفقد الواجهة البحرية 

  • By
  • أبريل 3, 2026
  • 16 views
أمير جازان يتفقد الواجهة البحرية 

“مهرجان الفنون التقليدية” يسبر أغوار “الدحة” في ورشة عمل تحليلية

  • By
  • أبريل 3, 2026
  • 20 views
“مهرجان الفنون التقليدية” يسبر أغوار “الدحة” في ورشة عمل تحليلية

معايدة مجلس قدامى نادي النصر بحضور شخصيات بارزة ورياضيه

  • By
  • أبريل 3, 2026
  • 49 views
معايدة مجلس قدامى نادي النصر بحضور شخصيات بارزة ورياضيه

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode