الأقارب ليسوا عقارب… بل عزوةٌ تُخطئها الأمثال

 

بقلم أ. غميص الظهيري

يُردَّد المثل الشعبي «الأقارب عقارب» في لحظات الخيبة والانكسار، حين تأتي الطعنة من حيث لا يُتوقع، فيجد الإنسان نفسه أمام ألمٍ مضاعف: ألم الموقف، وألم القرب. وقد نشأ هذا المثل من تجارب فردية مؤلمة، صوّرت بعض الأقارب وكأنهم مصدر أذى، فشُبِّهوا بالعقارب التي تلسع في الخفاء.

غير أن تعميم هذا الوصف يُعدّ إجحافًا كبيرًا في حقّ معنى القرابة السامي. فالأمثال، مهما انتشرت، لا تمثّل الحقيقة المطلقة، بل تعكس زاوية ضيقة من الواقع، غالبًا ما تكون مشحونة بالمشاعر السلبية.

إن الأقارب في أصلهم ليسوا عقارب، بل هم السند والعزوة ولباس الجنب بعد الله. هم الذين يشدّون الأزر، ويقفون معك حين تميل بك الأيام، وهم أول من يفرح لفرحك، وأقرب من يواسيك في حزنك. فيهم ترى امتدادك، وفيهم تجد جذورك التي تثبّتك مهما عصفت بك الحياة.

ولنا في الواقع شواهد لا تُحصى: كم من أخٍ وقف مكان الأب، وكم من عمٍّ كان كالجدار الصلب في وجه الشدائد، وكم من قريبٍ اقتسم معك الضيق قبل السعة. هذه النماذج المضيئة لا يصح أن تُطمس بسبب تصرّفات قلةٍ لا تمثّل إلا نفسها.

إن المشكلة ليست في «الأقارب» ككيان، بل في بعض النفوس التي قد تضعف أمام الحسد أو الأنانية. لكن هل يُعقل أن نعمّم الخطأ ونحوّل النعمة إلى نقمة؟ أليس الأجدر بنا أن نحفظ الود، ونصل ما انقطع، ونعالج الخلل بدل أن نُرسّخ القطيعة بمثلٍ قاسٍ؟

ثم إن القرابة ليست علاقة عابرة يمكن استبدالها، بل هي نسيج متين من الروابط التي لا تتكرر. قد نجد صديقًا مخلصًا، لكننا لن نجد بديلًا عن أخٍ أو أخت، ولا عن قريبٍ يجمعنا به دم وتاريخ وذكريات.

لذلك، فإن الأجمل والأصدق أن نعيد صياغة نظرتنا، فنقول: الأقارب عزوةٌ لمن أحسن إليهم، وسندٌ لمن حفظهم، ودفءٌ لا يعرفه إلا من عاش بينهم بقلبٍ صادق. فالعلاقات لا تُقاس بما يقع فيها من أخطاء، بل بما تُبنى عليه من نوايا وما تُثمره من مواقف.

وفي الختام، يبقى اليقين أن الأقارب، رغم كل شيء، هم أقرب الناس إلى القلب، وهم لباس الجنب في الشدائد، ومن أراد أن يجد فيهم الخير، فليزرعه أولًا، فكما تُعطي تُؤخذ، وكما تُحسن تُحاط بالإحسان.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

حين أغلقت باب الوظيفة… فتحت الحياة أبوابها

    ميساء عقيل – جازان   لم يكن خروجي من الوظيفة نهاية مسيرتي المهنية، كما ظن البعض بل كان بداية فصلٍ جديد كُتب لي بعناية يحمل من الأمل ما لم تحمله السنوات الماضية ومن الفرص ما يفوق حدود التوقع.   خرجت من عملي وأنا أحمل في قلبي امتنانًا لكل يومٍ علّمني ولكل موقفٍ صقل شخصيتي ولكل تحدٍّ منحني خبرةً لا تُشترى أدركت أن الوظيفة كانت…

التواضع… زينة العلم ورقي الأخلاق

بقلم أ. غميص الظهيري.  التواضع وحسن الخلق من أسمى الصفات التي يهبها الله لمن يشاء من عباده، وهما عنوان الشخصية الراقية، وعلامة على نبل النفس وكمال الأخلاق. فمهما بلغ الإنسان من علم أو مكانة اجتماعية، يبقى تواضعه هو ما يرفعه في قلوب الناس قبل أن يرفعه في أعينهم. ومن الشخصيات التي تجسد هذا المعنى الدكتور هاني معتوق الحلواني، فعلى الرغم من درجته العلمية الرفيعة ومكانته الاجتماعية…

لقد فاتك ذلك

حين أغلقت باب الوظيفة… فتحت الحياة أبوابها

حين أغلقت باب الوظيفة… فتحت الحياة أبوابها

حضور نوعي ومشاركة واسعة في الملتقى الدولي الـ27 لخدمات البرامج السياحية والمعتمرين

حضور نوعي ومشاركة واسعة في الملتقى الدولي الـ27 لخدمات البرامج السياحية والمعتمرين

التواضع… زينة العلم ورقي الأخلاق

التواضع… زينة العلم ورقي الأخلاق

الجزائر تستعرض ثراء موروثها الثقافي بمقر المنظمة العالمية للملكية الفكرية

الجزائر تستعرض ثراء موروثها الثقافي بمقر المنظمة العالمية للملكية الفكرية

أرجوحة الذكريات والحكايات

أرجوحة الذكريات والحكايات

سلسلة: حياتك السعيدة المقال (20) تربية الذات.. كيف تنمو روحيًّا بمحاسبة النفس؟

سلسلة: حياتك السعيدة  المقال (20)  تربية الذات.. كيف تنمو روحيًّا بمحاسبة النفس؟

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode