بقلم أ. غميص الظهيري
في مشهدٍ إنسانيٍّ يعكس أسمى معاني الوفاء، لا تزال صداقة زملاء الدراسة في المعهد العلمي بمحافظة المندق حاضرةً ومتجددة، رغم مرور نحو خمسةٍ وأربعين عامًا على تخرجهم. لم تنل المسافات ولا مشاغل الحياة من تلك الروابط العميقة، بل زادتها الأيام رسوخًا وقوة.
وفي ليلةٍ من ليالي الأخوة الصادقة، اجتمع هؤلاء الزملاء على مائدة الذكريات، يستحضرون تفاصيل البدايات، ويستعيدون مواقف الطفولة والشباب. لقد تجاوزت علاقتهم حدود الزمالة التقليدية، لتصبح انصهارًا في الأرواح، وعناقًا للقلوب، وشغفًا دائمًا باللقاء، وحنينًا لا ينقطع للحديث وتبادل الذكريات.
هؤلاء الزملاء، الذين يمثلون أول دفعة تخرجت من المعهد العلمي بالمندق، دأبوا على إقامة لقاءٍ شهريٍّ مستمر منذ أكثر من عقدٍ من الزمن. يجتمعون فيه على الود والإخاء، يتسامرون، ويتفقدون أحوال بعضهم البعض، في صورةٍ نادرة من صور العلاقات الإنسانية الصادقة، التي صمدت أمام تقلبات الحياة.
ورغم ما حملته السنوات من مسؤولياتٍ وظيفية، ثم تقاعدٍ لاحق، لم تنشغل قلوبهم عن بعضهم، ولم تفرقهم مشاغل الدنيا. فقد جمعهم “العيش والملح”، وظلت تلك العِشرة المباركة حاضرةً في وجدانهم، أقوى من كل المغريات.
وكانت ليلة الخميس الماضية محطةً جديدة في سجل هذه العلاقة المتينة، حيث حظيتُ بشرف حضور لقائهم الشهري، ورأيت عن قرب كيف تحوّل أولئك الفتية الذين دخلوا المعهد في سن الصبا إلى رجالٍ شابت رؤوسهم، بينما بقيت قلوبهم شابةً نابضة بالمحبة.
ويقود هذا الملتقى المبارك الأستاذ الفاضل عيدان الدياني الحكمي، الذي نذر نفسه لخدمة زملائه، فكان حلقة الوصل بينهم، وحارسًا لهذه الروح الجميلة التي تأبى أن تنطفئ.
إنها قصة وفاءٍ تستحق أن تُروى، ونموذجٌ حيٌّ للعلاقات الإنسانية التي لا تُقاس بطول الزمن، بل بصدق المشاعر وعمق الارتباط.








