د . علي إبراهيم خواجي
هناك لحظات في العمر لا تُقاس بالزمن ، بل بما تتركه في القلب من أثر ، وما تغرسه في الروح من حنين .
ومن بين تلك اللحظات كان لقاء زملاء العمل في مدرسة عبدالرحمن بن عوف في جبل حبس ، بعد خمسةٍ وعشرين عامًا من الغياب ، حدثًا استثنائيًا أعاد للذاكرة نبضها ، وللأيام دفئها .
لم يكن اللقاء مجرد اجتماع عابر ، بل كان عودة صادقة إلى زمنٍ جميل ، حين كانت البدايات مليئة بالحماس ، وكانت الرسالة التربوية تُحمل على عاتق رجالٍ آمنوا بدورهم ، فصنعوا من المدرسة بيتًا ، ومن الزمالة أخوّةً لا تنقطع .
في تلك المدرسة تشاركنا الطموح ، وتقاسمنا التحديات ، وكتبنا سطورًا من العطاء بصمتٍ وإخلاص .
حين التقينا ظهر اليوم ( الجمعة ) ، لم نكن أولئك الذين غادروا المكان قبل ربع قرن ، كنا مزيجًا من الماضي والحاضر ، نحمل في وجوهنا ملامح الزمن ، وفي قلوبنا ذات المشاعر التي لم تتغير .
تعانقت الأرواح قبل الأيادي ، وسبقت الدموع الكلمات ، وكأن السنوات الطويلة لم تكن سوى فاصلٍ قصير بين لقاءين .
تجددت الأحاديث ، وعادت المواقف الصغيرة لتتوهج في الذاكرة: ضحكات في ممرات المدرسة ، نقاشات تربوية لا تنتهي ، مواقف طريفة في فصول الدراسة ، وأخرى صعبة صنعت منّا خبراتٍ لا تُنسى .
كان لكل واحدٍ منا قصة ، ولكل زاوية في المدرسة ذكرى ، وكأن المكان لا يزال يحتفظ بأصواتنا ووقع خطواتنا.
في لقاء اليوم أدركنا أن ما يجمعنا ليس مجرد وظيفة مضت ، بل رسالة عشناها بكل تفاصيلها .
أدركنا أن العلاقات التي تُبنى على الصدق والعمل المشترك لا تُمحى بمرور الزمن ، بل تزداد رسوخًا ، وتبقى قابلة للاشتعال بمجرد لقاءٍ واحد .
خمسة وعشرون عامًا مضت ولعلها تزيد بسنة أو سنتين ، تغيّرت فيها الحياة ، وتبدلت فيها المواقع ، لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا : الوفاء لتلك المرحلة ، والاعتزاز بتلك الذكريات .
لقد كان اللقاء بمثابة وقفة مع الذات ، نستعيد فيها أجمل ما فينا ، ونستحضر فيها زمنًا كان العطاء فيه هو العنوان الأبرز .
وفي خضم هذا اللقاء الذي امتزجت فيه الدموع بالابتسامات ، والذكريات بالواقع، برزت صورة الوفاء في أبهى تجلياتها ، ممثلةً في الزميل العزيز جابر فرحان المالكي ، وكافة إخوانه وزملائنا من بني مالك ، الذين جسّدوا معنى الكرم الأصيل والشهامة العربية . لم يكن دعوتهم وحضورهم مجرد مشاركة ، بل كان عنوانًا للترحيب الصادق ، ومرآةً لقيمٍ متجذرة في النفوس ، كرمٌ يسبق السؤال ، وشهامةٌ تفيض في كل موقف .
لقد كان لاستضافتهم أثرٌ بالغ في نفوس الجميع ، حيث احتضنتنا قرية الغمرة بطيبها وبساطة أهلها ، فبدت وكأنها تعانق الماضي بالحاضر ، وتفتح ذراعيها لكل ذكرى جميلة .
هناك لم يكن المكان مجرد موقع للقاء ، بل كان شريكًا في صناعة اللحظة ، بما يحمله من هدوءٍ وأصالة ، يعكسان روح الإنسان في تلك الأرض الطيبة .
جلسنا في قرية الغمرة ، نستعيد الحكايات ، ونسترجع المواقف التي صنعتنا ، وكان لكرم جابر وإخوانه وطيب معشرهم الدور الأكبر في أن يتحول اللقاء إلى لوحة إنسانية متكاملة ، عنوانها المحبة ، ومضمونها الوفاء .
لقد أثبتوا أن الرجال يُعرفون بمواقفهم ، وأن الكرم ليس فعلًا عابرًا ، بل خُلقٌ راسخ لا يتغير .
إن الإشادة هنا ليست مجاملة ، بل هي شهادة حق في رجالٍ عرفناهم أخوة قبل أن يكون زملاء ، وفي مكانٍ احتوانا كما لو كنا جزءًا من تاريخه .
ختامًا لم يكن هذا اللقاء نهاية حكاية ، بل بداية لعودة الروح إلى علاقاتٍ تستحق أن تُروى ، وتُحفظ ، وتُجدّد . فبعض الأماكن لا تغادرنا ، وبعض الوجوه لا ينساها القلب ، وبعض الذكريات تظل حيّة ، مهما طال الغياب .
آخر حرف :
يا مرحبًا بالصحبِ بعد تباعدِ
ربعُ قرنِِ مضى كطيفٍ عائدِ
عادت بنا الذكرى لنورِ بدايـةٍ
في موطنِ الإخلاصِ صدقِ المقصِدِ
في مدرسةٍ زرعت بِنَا آمالَنـا
وسقت قلوبَ العزمِ خيرَ روافِدِ
كنا هناك على المحبةِ إخـوةً
نمضي ونبني في طريقٍ واحدِ
واليومَ عُدنا والحنينُ دليلُنا
نحيي زمانًا في الضلوعِ الخالدِ
وجابرٌ… عنوانُ جودٍ ساطعٍ
كالغيثِ يهطلُ بالندى المتزايدِ
مدّ الكرامةَ واحتوانا حاتميًّا
فغدا مثالَ الشهـمِ نعمَ الماجدِ
في الغمرةِ الفيحاءِ طابَ لقاؤنا
بين الصفا وعبيرِ أرضٍ واعدِ
أرضٌ إذا حلّ الكرامُ بربعِها
ازدانت الأفراحُ خيرَ مشاهدِ
يا ليتَ ذاك الجمعَ يبقى دائمًا
فالودُّ يسكنُ في الفؤادِ الصامدِ
تبقى الذكـارى في القلوبِ قصيدةً
تحيا… ويخلدُ عهدُها في الرافدِ








