(حين تقودنا الصدف)

الكاتبة /وجنات صالح ولي .
نمضي في طرقات الحياة وكأننا نعرف وجهتنا، بينما في الحقيقة نحن نسير بما توفر لنا من يقينٍ مؤقت، نختار، ونقرر، ونخطط، ثم تأتي لحظة صغيرة، عابرة، لا نعطيها قيمة، فتغيّر كل شيءدون أن نشعر بذلك . قد تكون كلمة سمعناها صدفة، أو لقاءً لم يكن في الحسبان، أو حتى تأخيرًا بسيطًا أجبرنا على سلوك طريقٍ آخر، لكنه كان الطريق الذي كُتب لنا أن نراه.
الصدف لا تأتي بترتيب ، بل تأتي فجأة وبدون تخطيط لذلك ، بل تتسلل بهدوء، وتجدها تعرف بنفسها “أنا هنا… إن انتبهت لي، تغيّرت حياتك.” كم من شخص دخل حياتنا بلا ترتيب، ثم أصبح جزءًا لا يمكن تجاوزه؟ وكم من مكان زرناه بلا رغبة، فاكتشفنا فيه شيئًا أعاد ترتيبنا من الداخل؟
نحن لا نحب الغموض، نميل دائمًا إلى التخطيط، إلى السيطرة، إلى أن تكون الأمور واضحة ومفهومة، لكن الحقيقة التي لا نعترف بها كثيرًا هي أن أجمل ما حدث لنا لم نخطط له. لم نجلس لنرسمه، ولم نكن مستعدين له، بل جاء في توقيت غريب، وبشكل غير متوقع، وكأنه إختبار صغير: هل سنمضي معه أم نتجاهله؟
أحيانًا تقودنا الصدفة إلى ما نحب، إلى أشخاص يشبهوننا، إلى أماكن تشبه قلوبنا، فنشعر وكأن الحياة اعتذرت لنا بلطف. وأحيانًا تقودنا إلى ما لا نحب، إلى مواقف قاسية، أو علاقات مؤلمة، وهنا نظن أنها كانت خطأ… لكنها في الحقيقة كانت درسًا، أو نجاة مؤجلة، أو طريقًا مختلفًا كنا نحتاجه لنفهم أنفسنا أكثر.
المسألة ليست في أن الصدف جيدة دائمًا أو سيئة، بل في أننا لا نرى الصورة كاملة في وقتها. نحن نحكم بسرعة، ونشعر بسرعة، لكن الفهم الحقيقي يأتي متأخرًا، بعد أن نبتعد، بعد أن تهدأ المشاعر، فننظر للخلف ونقول: “لو لم يحدث ذلك… لما وصلت إلى هنا.”
لذلك، ربما لا نحتاج أن نخاف من الصدف بقدر ما نحتاج أن نتعامل معها بوعي. لا نندفع خلف كل شيء، ولا نرفض كل شيء. فقط نمنح أنفسنا فرصة للفهم، فرصة للتجربة، فرصة لأن نكون مرنين مع الحياة، لأنها ببساطة لا تسير دائمًا كما نريد، لكنها في كثير من الأحيان تسير كما نحتاج.
وفي النهاية، تبقى الصدفة جزءًا من حكايتنا، تكتب معنا دون أن نستأذنها، وتضع بصمتها في تفاصيل لم نكن نخطط لها، لكنها أصبحت لاحقًا أجمل ما نملك من ذكريات.

صدى نيوز إس

Related Posts

سبع وصايا لعذاري القحطاني رائدة الأعمال الباحثة عن الأثر

  جدة – ماهر بن عبدالوهاب قدمت عذاري القحطاني، رائدة الأعمال سبع وصايا للباحثة عن الأثر، وإذا كان هدف عذاري القحطاني أن تترك أثرًا لا أن تلحق موضة، فهذه سبع وصايا على الطريق. اولى تلك الوصايا، الأمانة رأس المال، فمهما كبر المشروع، لا تفريط في الثقة التي يمنحها الناس. الأمانة تجلب البركة قبل أن تجلب المال. والوصية الثانية، التعلم المستمر، فالسوق يتغير كل يوم، وما نجح…

عندما يصبح التشاؤم عدسة تُضيّق العالم

  الإعلامي: عادل بن محمد البكري جازان – صحيفة صدى نيوز إس هناك أشخاص لا يغيّرون شكل المكان، لكنهم يغيّرون طريقة رؤيته. يدخلون الحديث بهدوء، لكنهم يتركون خلفهم أثرًا غير مرئي؛ كأن الأفكار تصبح أثقل، والاحتمالات أقل، والحماس يحتاج إلى جهد إضافي ليبقى حاضرًا. ليس لأن الواقع تغيّر، بل لأن زاوية النظر إليه أصبحت أضيق. المتشائم لا يرى الأمور بالضرورة بشكل خاطئ، لكنه يميل إلى أن…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

نادي ملتقى المبدعين الثقافي يقيم أمسية نوعية بعنوان: «عرفة… الطريق الأقرب إلى الله»

نادي ملتقى المبدعين الثقافي يقيم أمسية نوعية بعنوان: «عرفة… الطريق الأقرب إلى الله»

“كاتريون” توسّع عملياتها في موسم حج 1447هـ.. من التموين الجوي إلى تشغيل مرافق ضيافة في المشاعر المقدسة

“كاتريون” توسّع عملياتها في موسم حج 1447هـ.. من التموين الجوي إلى تشغيل مرافق ضيافة في المشاعر المقدسة

التدريب التقني بمكة يطلق مشروع “تقني العطاء” لخدمة ضيوف الرحمن بمشاركة 260 متطوعًا وجوالًا وكشافًا

التدريب التقني بمكة يطلق مشروع “تقني العطاء” لخدمة ضيوف الرحمن بمشاركة 260 متطوعًا وجوالًا وكشافًا

تعليم الطائف يتأهل لدور نصف النهائي في قدم الكرة في دوري المدارس

تعليم الطائف يتأهل لدور نصف النهائي في قدم الكرة في دوري المدارس

الكشافة تنفذ فرضيات ميدانية في 16 معسكراً فرعياً بمكة والمشاعر المقدسة استعداداً لخدمة الحجاج

الكشافة تنفذ فرضيات ميدانية في 16 معسكراً فرعياً بمكة والمشاعر المقدسة استعداداً لخدمة الحجاج

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode