يوم التروية… حين تبدأ الأرواح رحلتها إلى السماء.

 

بقلم أ. غميص الظهيري :

في كل عام، تتجه ملايين القلوب قبل الأقدام نحو الديار المقدسة، يحمل الحجاج معهم دعواتٍ مؤجلة، ودموع شوقٍ طويلة، وأحلامًا بأن يولدوا من جديد في أعظم رحلة إيمانية عرفتها البشرية. إنها رحلة الحج؛ الرحلة التي لا تشبه أي سفر، لأن الطريق فيها ليس إلى مكانٍ فحسب، بل إلى الله.
ويأتي يوم التروية ليكون أول نبضات هذه الرحلة العظيمة، اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، حيث يبدأ الحجاج انتقالهم إلى مشعر منى استعدادًا للوقوف بعرفة. سُمّي بهذا الاسم لأن الحجاج قديمًا كانوا يرتوون فيه بالماء ويحملونه معهم قبل التوجه إلى المشاعر المقدسة التي كانت تفتقر إلى المياه.
في هذا اليوم، تبدو الأرض وكأنها ترتدي ثوب الطهارة؛ ملايين الحجاج بملابس الإحرام البيضاء، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين جنسيةٍ وأخرى، الجميع يقفون تحت راية واحدة: “لبيك اللهم لبيك”. تتوحد الأصوات، وتذوب الفوارق، وتصبح الإنسانية في أبهى صورها.
يوم التروية ليس مجرد محطة زمنية في مناسك الحج، بل هو درس عظيم في التجرد والصبر والطاعة. ففيه يترك الإنسان خلفه ضجيج الدنيا، ويتخفف من أثقال الحياة، ليبدأ رحلة صفاء نادرة، يشعر فيها أن القلب أصبح أقرب إلى السماء من أي وقت مضى.
وفي مشعر منى، يقضي الحجاج يومهم بين الصلاة والذكر والدعاء، وكأن المكان يتحول إلى بحرٍ من السكينة. هناك تُرفع الأكف بالدعوات، وتُسكب العبرات بخشوع، وتولد في النفوس معانٍ جديدة للإيمان واليقين.
إن مشهد الحجاج في يوم التروية يذكر العالم بأن الوحدة الحقيقية لا تصنعها المصالح، بل تصنعها العقيدة والمحبة والطاعة لله. ملايين البشر من لغاتٍ وألوانٍ وثقافات مختلفة، يجمعهم نداء واحد وقلب واحد.
ولعل أجمل ما في يوم التروية أنه بداية الأمل؛ فكل حاج يشعر أن الرحلة القادمة قد تكون بابًا لمغفرةٍ واسعة، وأن الخطوات التي يخطوها نحو منى وعرفة تقوده أيضًا نحو سلامه الداخلي ونقاء روحه.
إن الحج مدرسة إيمانية عظيمة، ويوم التروية هو أول دروسها العميقة؛ يوم تتجدد فيه الأرواح قبل الأعمال، وتتعلم القلوب أن السعادة الحقيقية ليست فيما نملك، بل فيما نشعر به من قربٍ إلى الله.
وفي النهاية، يبقى يوم التروية شاهدًا خالدًا على أعظم تجمع إيماني في العالم، يومًا تمتلئ فيه الأرض بالتلبية، وتفيض فيه السماء بالرحمة، وتكتب فيه القلوب قصصًا لا تُنسى من الإيمان والخشوع والمحبة.

صدى نيوز إس

Related Posts

☕️✨ خبر وإعلان | رمز شدا بمحافظة المخواة

في قلب محافظة المخواة وعلى طريق الملك فهد، يسطع “رمز شدا” كأحد الوجهات الجميلة التي تجمع بين هدوء المكان وروعة الأجواء والذوق الرفيع، ليكون محطة مميزة لكل من يبحث عن الراحة والاستمتاع بأوقات جميلة وسط أجواء أنيقة ومريحة.   ويتميز “رمز شدا” بجلساته الهادئة وتصميمه الجميل الذي يمنح الزوار إحساسًا بالراحة والسكينة، مع استقبال راقٍ وخدمة مميزة تعكس جودة المكان واهتمامه بأدق التفاصيل، مما جعله من…

​بـ 65 مركزاً و15 خدمة تقنية..هيئة “الأمر بالمعروف” تسخر إمكاناتها لخدمة ضيوف الرحمن في 9 مناطق

د. منصور نظام الدين :المشاعر المقدسة و​سّعت الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نطاق خدماتها التوعوية لموسم حج هذا العام 1447هـ، لتشمل عدداً من المنافذ البرية الحدودية ومدن الحجاج في مختلف مناطق المملكة، وفق مهامها واختصاصاتها وخططها وبرامجها. ​وعملت الرئاسة العامة على تهيئة نقاط ومراكز ميدانية توعوية في المنافذ الحدودية (ضمن 65 مركزاً ونقطة ميدانية موزعة على 9 مناطق)؛ لتقديم الخدمة لضيوف الرحمن فور…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

نادي ملتقى المبدعين الثقافي يقيم أمسية نوعية بعنوان: «عرفة… الطريق الأقرب إلى الله»

نادي ملتقى المبدعين الثقافي يقيم أمسية نوعية بعنوان: «عرفة… الطريق الأقرب إلى الله»

“كاتريون” توسّع عملياتها في موسم حج 1447هـ.. من التموين الجوي إلى تشغيل مرافق ضيافة في المشاعر المقدسة

“كاتريون” توسّع عملياتها في موسم حج 1447هـ.. من التموين الجوي إلى تشغيل مرافق ضيافة في المشاعر المقدسة

التدريب التقني بمكة يطلق مشروع “تقني العطاء” لخدمة ضيوف الرحمن بمشاركة 260 متطوعًا وجوالًا وكشافًا

التدريب التقني بمكة يطلق مشروع “تقني العطاء” لخدمة ضيوف الرحمن بمشاركة 260 متطوعًا وجوالًا وكشافًا

تعليم الطائف يتأهل لدور نصف النهائي في قدم الكرة في دوري المدارس

تعليم الطائف يتأهل لدور نصف النهائي في قدم الكرة في دوري المدارس

الكشافة تنفذ فرضيات ميدانية في 16 معسكراً فرعياً بمكة والمشاعر المقدسة استعداداً لخدمة الحجاج

الكشافة تنفذ فرضيات ميدانية في 16 معسكراً فرعياً بمكة والمشاعر المقدسة استعداداً لخدمة الحجاج

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode