جحود الظل.. حين يُنسى الفضل ويُنسب للنحل!

 

بقلم الدكتور/

خالد العمودي :جدة:-

ثمة معادلة أخلاقية تحكم القلوب السوية، ترتكز على أن “مَن لا يشكر الناس لا يشكر الله”. فالشكر ليس مجرد كلمة تُقال باللسان، بل هو اعتراف واعي بالجهد، وتقدير معنوي يربط المعروف بصاحبه. غير أنك في دروب الحياة قد تصطدم بنمطٍ غريب من البشر، لخصت حالهم عبارة بليغة وجارية مجرى الأمثال: “ناكر الجميل لو تهديه عسلًا، يقول لك: الله يعطي النحل كل خير!”.

في هذه العبارة تكمن فلسفة مأساوية في التعامل الإنساني؛ فهي لا تعكس مجرد شُحٍّ في التعبير، بل تكشف عن عطبٍ نفسي عميق يتعمد صاحبه “فصل الفضل عن فاعله”.

فلسفة الالتفاف على المعروف

إن ناكر الجميل يمتلك مهارة عجيبة في تحويل دفة الامتنان؛ فبدل أن ينظر إلى اليد التي امتدت إليه بالعطاء، وصنعت له المعروف، وبذلت من وقتها ومالها أو جهدها، يلتف حول الموقف ليجعل الجميل قادمًا من الطبيعة أو الصدفة أو الظروف المجردة. هو لا ينكر جودة العسل، لكنه يستكثر الكلمة الطيبة على من أهداه إياه!

هذا السلوك ينبع في الغالب من كبرياء زائف؛ حيث يرى اللئيم في الاعتراف بفضل الآخرين نوعًا من المذلة أو النقص، فيلجأ إلى تهميش دور الصانع لينجو من “ثقل اليد” التي أحسنت إليه. وهو كما قال المتنبي قديماً في بيته الخالد:

إِذا أَنتَ أَكرَمتَ الكَريمَ مَلَكتَهُ … وَإِذا أَنتَ أَكرَمتَ اللَئيمَ تَمَرَّدا

 

ثمار الشكر وجفاف الجحود

إن المجتمعات الإنسانية تبنى على “تبادل المعروف” وتفقد عذوبتها وتماسكها حين يغيب التقدير. عندما يُقابل الإحسان بالجحود، تُسدّ طرق الخير، وتنقبض أيدي الباسطين عن العطاء، خوفاً من أن يُقابل ودّهم بالاستهانة.

لكن الحكمة تقتضي منا أن ننظر إلى الأمور من زاوية أعمق وأكثر نضجاً:

العطاء مرآة المعطي: إن من يهديك العسل إنما يُقدم لك قِطعة من صفاء نيتة وكرم طبعه، ونكران الجميل لا ينقص من قيمة العسل شيئاً، بل يكشف فقط “معدن” الآخذ وصغر نفسه.

الأجر على الله: إذا جعلت معروفك خالصاً لوجه الله، فلن يضرك جحود جاهد، ولن يثنيك نكران ناكر. فالمعروف تجارة مع الله، وهي التجارة التي لا تبور.

خاتمة مفعمة بالحكمة

صاحب النفس الكريمة يرى في الوردة بستاناً، وفي الكلمة الطيبة ديناً، وفي الهدية البسيطة طوقاً من الياسمين يطوق عنقه. أما ناكر الجميل، فمهما بلغت النعم بين يديه، يظل يعيش في جفاف روحي، لأن عين الجاحد لا ترى إلا النقص.

فلنكن ممن يقدرون اليد التي غرست، والقلب الذي وسع، والإنسان الذي بذل. ولنتذكر دائماً أن شكر صانع المعروف هو امتداد لشكر الخالق عز وجل، فالله سبحانه هو الذي سخّر الأسباب، ويسّر العباد ليكونوا لبعضهم غياثاً وسنداً.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

الحكواتي فايل بن سريد وترسيخ الهوية في سلطنة السلام والعطاء

  عمار عبد الواحد بغداد – العراق في قلب الخليج العربي وتحديدا من سلطنة السلام والعطاء من مسقط العامرة التي طالما كانت حاضنة للمحبة والوئام لمع اسم الاديب والشاعر فايل بن سريد المطاعني الذي التقط خيط الهوية من وسط ركام التحولات المعاصرة ليعيد صياغته من خلال مشروع الحكواتي هذا المشروع لم يكن مجرد محاولة لاستذكار الماضي او البكاء على اطلاله بل كان رؤية واعية تدرك ان…

قراءة فلسفية شرعية في أخطر كذبة زُرعت في الوعي الإسلامي

من أقنع المسلمين أن الفقر فضيلة بينما جعل الله المال بابًا لأعظم العبادات وأساسًا لاستخلاف الأمة في الأرض؟ بقلم: أحمد علي بكري في عمق التاريخ الإنساني، وفي الطبقات الخفية التي تُشكّل وعي الأمم وتحدد مساراتها الحضارية، لا تتكون الانهيارات الكبرى دفعة واحدة، وإنما تبدأ غالبًا بفكرة صغيرة تُزرع في العقل الجمعي حتى تتحول مع الزمن إلى “حقيقة مقدسة” لا يجرؤ أحد على مساءلتها. ولعل أخطر فكرة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

وزير الخارجية يبحث مع نظيريه السعودي والإيراني مسار المفاوضات الأمريكية – الإيرانية وجهود خفض التصعيد في المنطقة

وزير الخارجية يبحث مع نظيريه السعودي والإيراني مسار المفاوضات الأمريكية – الإيرانية وجهود خفض التصعيد في المنطقة

مهرجان القاهرة الدولي للطفل العربي يعلن فتح باب التقديم لمسابقة التأليف المسرحي في دورته الرابعة 

مهرجان القاهرة الدولي للطفل العربي يعلن فتح باب التقديم لمسابقة التأليف المسرحي في دورته الرابعة 

فريق فعاليات المجتمع ينظم ورشة «مهارات التواصل الاجتماعي» 

فريق فعاليات المجتمع ينظم ورشة «مهارات التواصل الاجتماعي» 

رئاسة الشؤون الدينية بالحرمين الشريفين توضح الجدول الأسبوعي لأئمة الحرمين الشريفين خلال الأسبوع الحالي 

رئاسة الشؤون الدينية بالحرمين الشريفين توضح الجدول الأسبوعي لأئمة الحرمين الشريفين خلال الأسبوع الحالي 

جحود الظل.. حين يُنسى الفضل ويُنسب للنحل!

جحود الظل.. حين يُنسى الفضل ويُنسب للنحل!

رئاسة الشؤون الدينية تُتيح «مقرأة الحرمين الإلكترونية» لتعليم القرآن الكريم وتصحيح التلاوة عن بُعد

رئاسة الشؤون الدينية تُتيح «مقرأة الحرمين الإلكترونية» لتعليم القرآن الكريم وتصحيح التلاوة عن بُعد

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode