الشائعات والأكاذيب.. حين يحاول الزيف أن يسبق الحقيقة

 

أخوكم / خضران الزهراني

الإعلامي والمحرر الصحفي

منذ القدم والشائعات تسير بين الناس، تتغير وسائلها وأدواتها، لكن هدفها يبقى واحدًا؛ إثارة البلبلة، وتشويه الحقائق، وإشغال المجتمعات بما لا ينفع. وفي عصر التقنية الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الشائعة تنتقل في ثوانٍ معدودة إلى آلاف وربما ملايين الأشخاص، حتى بات البعض يصدقها قبل أن يتأكد من صحتها، وينقلها قبل أن يسأل عن مصدرها.

إن الشائعة تشبه كرة الثلج الصغيرة التي تبدأ بحجم ضئيل، ثم تكبر كلما تدحرجت حتى تصبح عبئًا يصعب إيقافه. وقد يكون أصلها كلمة مبتورة، أو صورة خارج سياقها، أو مقطعًا مجتزأً، أو رواية غير موثقة، ثم تتناقلها الألسن والحسابات حتى يظن البعض أنها حقيقة لا تقبل الشك.

والحقيقة أن الشائعة مهما انتشرت تبقى ضعيفة أمام الدليل، ومهما ارتفع صوتها فإنها لا تستطيع أن تصمد طويلًا أمام الحقائق. فكم من إشاعة أُطلقت ضد أشخاص أو مؤسسات أو أوطان، ثم تبين بعد أيام أو أسابيع أنها مجرد أكاذيب لا أساس لها من الصحة.

إن مروجي الشائعات يشبهون من يحاول حجب ضوء الشمس بغربال؛ قد يظن للحظة أنه نجح في إخفاء النور، لكن الحقيقة لا تلبث أن تظهر للجميع. كما أن الشائعة تشبه السراب في الصحراء، يراه البعض ماءً من بعيد، فإذا اقترب منه لم يجد إلا الوهم والخداع.

ولعل من أخطر ما في الشائعات أنها تستهدف ثقة الناس، وتحاول زرع الشكوك في كل شيء، فتارة تستهدف شخصًا ناجحًا، وتارة مسؤولًا، وتارة مؤسسة، وتارة وطنًا بأكمله. وإذا لم يكن المجتمع واعيًا ومدركًا لخطورتها، فإنها قد تترك آثارًا سلبية يصعب علاجها.

ومن المؤسف أن بعض الناس يساهمون في نشر الإشاعة دون قصد، فيتحولون إلى حلقة في سلسلة الكذب وهم لا يشعرون. فمجرد إعادة إرسال خبر غير موثق أو نشر معلومة مجهولة المصدر قد يكون سببًا في ظلم الآخرين أو الإساءة إليهم.

وقد أرشدنا ديننا الإسلامي إلى منهج واضح في التعامل مع الأخبار، قائم على التثبت والتحقق وعدم التسرع، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾. فالتبين والتأكد ليسا خيارًا، بل مسؤولية أخلاقية ودينية واجتماعية.

إن الإنسان الواعي لا يسير خلف كل ناعق، ولا ينجرف خلف كل منشور أو مقطع أو رسالة مجهولة المصدر. بل يسأل: من قال؟ وما الدليل؟ وما المصدر؟ وهل هذه المعلومة موثقة؟ فالعقل الواعي لا يقوده الضجيج، بل تقوده الحقيقة.

ولنحذر من أولئك الذين يركضون خلف الشائعات صباح مساء، يصدقونها حين توافق أهواءهم، وينشرونها دون تثبت، ثم يختفون عندما تنكشف الحقيقة. فالحكمة ليست في سرعة النشر، وإنما في صحة المعلومة، وليست البطولة في تداول الأخبار، وإنما في تحري الصدق والأمانة.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة كالجبل الراسخ لا تهزه الرياح، بينما الشائعات كالدخان ترتفع قليلًا ثم تتلاشى. ويبقى الصدق عنوانًا للشرف، والوعي حصنًا للمجتمع، والعدل ميزانًا للحكم على الناس والأحداث.

فلنجعل من التثبت منهجًا، ومن الصدق رسالة، ومن الوعي سلاحًا، ولنقف جميعًا في وجه الشائعات والأكاذيب، حمايةً للمجتمع، وصونًا للحقوق، وحفظًا للحقيقة التي لا بد أن تظهر مهما طال الزمن.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

اليوم العالمي للتدخين

عبدالعزيز مشهور إن التدخين عدو خفي يهدد الصحة والعقول والسيجارة الصغيرة التي يظن البعض أنها تمنح الشعور بالراحة هي في الحقيقة فخ يحتوي على مواد كيميائية سامة التدخين لا يدمر الرئتين والقلب فقط بل يسلب الإنسان ماله وعافيته ويؤذي حتى المحيطين به من أهل وأصدقاء فيما يُعرف بالتدخين السلبي الصحة هي أثمن ما نملك و الإقلاع عن هذه العادة ليس مستحيلاً بل هو قرار شجاع يحمي…

بعد نجاح موسم حج 1447هـ.. أمانة العاصمة المقدسة ترسخ نموذجًا عالميًا في النظافة والإصحاح البيئي

  بقلم أ . غميص الظهيري جسدت أمانة العاصمة المقدسة خلال موسم حج 1447هـ نموذجًا متكاملًا في إدارة خدمات النظافة والإصحاح البيئي، عبر منظومة تشغيلية متقدمة أسهمت في المحافظة على بيئة صحية وآمنة لملايين الحجاج، وعكست حجم الجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية في خدمة ضيوف الرحمن والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة لهم. ومع اكتمال مناسك الحج بنجاح، برزت أعمال النظافة كإحدى الركائز الأساسية التي دعمت نجاح…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

اليوم العالمي للتدخين

اليوم العالمي للتدخين

بعد نجاح موسم حج 1447هـ.. أمانة العاصمة المقدسة ترسخ نموذجًا عالميًا في النظافة والإصحاح البيئي

بعد نجاح موسم حج 1447هـ.. أمانة العاصمة المقدسة ترسخ نموذجًا عالميًا في النظافة والإصحاح البيئي

أجهزة ومؤسسات الدولة في خدمة حجاج بيت الله الحرام 

أجهزة ومؤسسات الدولة في خدمة حجاج بيت الله الحرام 

الشائعات والأكاذيب.. حين يحاول الزيف أن يسبق الحقيقة

الشائعات والأكاذيب.. حين يحاول الزيف أن يسبق الحقيقة

طبية مكة تفعل الإيكمو لـ19 حالة فائقة الخطورة وتُسجّل مؤشرات نجاة متقدمة بين الحجاج

طبية مكة تفعل الإيكمو لـ19 حالة فائقة الخطورة وتُسجّل مؤشرات نجاة متقدمة بين الحجاج

حفظة القرآن يتوجون مسيرة التميز في أمسية تكريمية حملت معاني الاعتزاز والعرفان

حفظة القرآن يتوجون مسيرة التميز في أمسية تكريمية حملت معاني الاعتزاز والعرفان

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode