بقلم: د. جعفر محمد الشنقيطي
استشاري الباطنية
2nd June 2026
16 /12/ 1447
في ظل تزايد ظاهرة الترندات للمحتوى الصحي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، برزت في السنوات الأخيرة العديد من الأنظمة الغذائية التي تقدم نفسها بوصفها حلولاً سحرية لمشكلات السمنة والأمراض المزمنة. ومن بين هذه الأنظمة ما يُعرف بـ”نظام الطيبات”، الذي أثار جدلاً واسعاً بين المؤيدين والمعارضين، وأصبح محل نقاش طبي ومجتمعي متزايد.
وقد تناولت إحدى حلقات بودكاست “وعي بلا فلاتر” هذا الموضوع من منظور علمي، بهدف توضيح الحقائق الطبية بعيداً عن العاطفة والانطباعات الشخصية.
إن أول ما ينبغي التأكيد عليه هو أن أي نظام غذائي لا يمكن اعتباره علاجاً أو منهجاً صحياً معتمداً ما لم يستند إلى دراسات علمية محكمة وأبحاث منشورة في دوريات علمية موثوقة. فالطب الحديث لا يبني توصياته على التجارب الفردية أو القصص الشخصية مهما بدت مؤثرة، وإنما يعتمد على الأدلة العلمية المتراكمة التي تثبت الفعالية والأمان.
ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها البعض الاعتقاد بأن تحسن بعض الأعراض بعد اتباع نظام غذائي معين يعني بالضرورة صحة ذلك النظام. ففي كثير من الحالات يكون التحسن ناتجاً عن عوامل أخرى، مثل تقليل السعرات الحرارية، أو الامتناع عن الأطعمة المصنعة، أو فقدان الوزن، أو زيادة النشاط البدني، وليس بسبب النظام الغذائي ذاته.
كما أن استبعاد مجموعات غذائية كاملة دون مبرر طبي قد يؤدي إلى اختلال التوازن الغذائي ونقص بعض العناصر الأساسية التي يحتاجها الجسم للحفاظ على وظائفه الحيوية. وقد تظهر آثار هذا النقص تدريجياً على شكل إرهاق مزمن أو ضعف في المناعة أو اضطرابات هرمونية أو مشكلات صحية أخرى.
وتكمن الخطورة الأكبر عندما يتجه بعض المرضى إلى ترك العلاجات الطبية الموصوفة لهم والاعتماد على أنظمة غذائية غير مثبتة علمياً أملاً في الشفاء. فمرضى السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب يحتاجون إلى متابعة طبية دقيقة وخطط علاجية مدروسة، وأي قرار بإيقاف العلاج دون إشراف طبي قد يعرّض المريض لمضاعفات خطيرة.
إن الطب لا يرفض الغذاء الصحي، بل على العكس تماماً، فالتغذية المتوازنة تمثل أحد أهم أركان الوقاية والعلاج. لكن الفرق كبير بين الغذاء المبني على المعرفة الطبية والغذاء المبني على الادعاءات غير الموثقة.
ومن هنا تبرز أهمية تعزيز الوعي الصحي لدى المجتمع، وتشجيع الأفراد على التحقق من مصادر المعلومات قبل تبني أي نظام غذائي أو مشاركة تجارب شخصية قد تؤثر في قرارات الآخرين الصحية.
إن مسؤولية نشر الوعي لا تقع على الأطباء وحدهم، بل هي مسؤولية مشتركة بين المختصين والإعلاميين والمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام المختلفة. فالمعلومة الصحية الخاطئة قد تكون أكثر خطراً من المرض نفسه عندما تدفع الناس إلى اتخاذ قرارات تمس صحتهم وحياتهم.
وفي الختام، تبقى القاعدة الذهبية في الطب واضحة: لا تتبع أي نظام غذائي أو علاج صحي لمجرد أنه شائع أو متداول، بل اسأل دائماً عن الدليل العلمي، واستشر المختصين، واجعل صحتك مبنية على المعرفة لا على التجربة الفردية.
فالصحة ليست ساحة للتجارب، بل أمانة تستحق أن تُبنى على العلم والوعي والمسؤولية.







