د. منصور نظام الدين
:جدة:-
في زمن تتنافس فيه المنصات الرقمية على إستقطاب انتباه الإنسان، وتتحول فيه الخوارزميات إلى قوة مؤثرة في تشكيل الاهتمامات وصناعة الرأي العام، استضافت جمعية الثقافة والفنون بجدة (عامل المعرفة) الدكتور أحمد العرفج في أمسية ثقافية بعنوان «هيمنة الترند»، بحضور نخبة من المثقفين والفنانين والإعلاميين والمهتمين بالشأن الثقافي والمعرفي، وذلك ضمن برنامج المعايدة السنوي الذي نظمته الجمعية بمناسبة عيد الأضحى المبارك.
وامتدت الأمسية لأكثر من أربع ساعات، قدّم خلالها العرفج قراءة معرفية للتحولات التي أحدثتها المنصات الرقمية في حياة الأفراد والمجتمعات، مستعرضًا آليات صناعة الترند وتأثير الخوارزميات في تشكيل الاهتمام وتوجيه السلوك وصناعة التأثير.
اقتصاد الانتباه .. الثروة الجديدة
استهل العرفج حديثه بتعريف مفهوم «الترند» وشرح الآليات التي تقف خلف انتشاره، موضحًا أن المنصات الرقمية لا تعرض المحتوى بصورة عشوائية، بل تعمل وفق خوارزميات ترصد اهتمامات المستخدمين وتوجههم نحو محتوى محدد يتوافق مع سلوكهم الرقمي.
وأكد أن العالم يعيش اليوم في ظل ما يعرف بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث أصبحت المنافسة الحقيقية تدور حول كسب وقت الإنسان وتركيزه، مشيرًا إلى أن من ينجح في الاستحواذ على الانتباه يمتلك قدرة كبيرة على التأثير في القرارات والاتجاهات وأنماط التفكير.
حين يصنع الترند ما نعتقد أنه رأي الجميع
وتناول العرفج أثر الخوارزميات في تشكيل التصورات العامة، مبينًا أن بعض موجات المحتوى الرائج قد تمنح المتلقي انطباعًا بأن ما يراه يمثل رأي الأغلبية، بينما يكون في كثير من الأحيان نتيجة لآليات رقمية رفعت من حضوره وانتشاره.
وأشار إلى أن الترند لم يعد مجرد انعكاس لما يهتم به الناس، بل أصبح في بعض الحالات أداة قادرة على صناعة الاهتمام وتوجيه الأولويات، حتى بدا وكأنه يفكر نيابة عن المستخدمين ويقودهم إلى مسارات محددة دون أن يشعروا بذلك.
من التربية إلى صناعة السلوك
كما تطرق إلى التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل السلوك والقيم، موضحًا أنها أصبحت في بعض الأحيان شريكًا مؤثرًا في التربية والتوجيه واكتساب المعرفة، الأمر الذي يستدعي رفع مستوى الوعي الرقمي لدى الأسر والمؤسسات التعليمية والمجتمعية.
وتحدث عن أثر الحضور الدائم للكاميرا في الحياة اليومية، وكيف أسهمت ثقافة التوثيق المستمر في تراجع مساحة العفوية وتحويل كثير من المواقف الإنسانية إلى محتوى رقمي قابل للنشر والتداول.
الشهرة بمعايير جديدة
وفي محور آخر استعرض العرفج ظاهرة «غرباء الشكل»، موضحًا كيف أعادت المنصات الرقمية تعريف مفهوم الشهرة، حيث انتقلت شخصيات كانت تقدم في الماضي ضمن عروض السيرك والفرجة إلى نجوم للمشهد الرقمي وصناع محتوى يحظون بمتابعة واسعة وتأثير كبير.
وأكد أن التحول الرقمي لم يغيّر وسائل التواصل فحسب، بل أعاد تشكيل معايير الحضور والتأثير والشهرة بصورة غير مسبوقة.
الوعي الرقمي وأمن المجتمع
وشدد العرفج على أن التعامل الواعي مع المنصات الرقمية لم يعد قضية تقنية أو معرفية فقط، بل أصبح مسؤولية وطنية تتصل بحماية المجتمع وتعزيز استقراره وصون قيمه الثقافية والاجتماعية.
وأوضح أن المحافظة على الهوية الوطنية والقيم الأصيلة تتطلب وعيًا أكبر بآليات عمل المنصات الرقمية والخوارزميات، وقدرة على التمييز بين المعرفة والمعلومة المضللة، وبين المحتوى الذي يسهم في البناء والتنمية والمحتوى الذي يستهلك الوقت ويؤثر في منظومة القيم.
ودعا إلى تعزيز التفكير النقدي واستثمار الوقت فيما يحقق المعرفة والفائدة، مؤكدًا أن بناء الإنسان الواعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة التأثيرات السلبية للمحتوى الرقمي.
معايدة ثقافية
من جانبه أوضح مدير جمعية الثقافة والفنون بجدة محمد آل صبيح أن الأمسية جاءت ضمن برنامج المعايدة السنوي الذي تنظمه الجمعية بمناسبة عيد الأضحى المبارك، بهدف الجمع بين أجواء العيد والطرح الثقافي والمعرفي الهادف.
وأكد أن اختيار هذا الموضوع جاء انطلاقًا من ارتباطه المباشر بحياة الناس اليومية، وما يحمله من أبعاد ثقافية ووطنية تسهم في تعزيز الوعي وحماية القيم وترسيخ الهوية الوطنية، مشيرًا إلى أن المؤسسات الثقافية تؤدي دورًا مهمًا في تنمية الوعي المجتمعي وتعزيز القدرة على التعامل مع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي.
تكريم العرفج
وفي ختام الأمسية كرمت جمعية الثقافة والفنون بجدة الدكتور أحمد العرفج تقديرًا لمشاركته وإسهامه في إثراء الحراك الثقافي والمعرفي، حيث دعا مدير الجمعية الروائي عبده خال والإعلامي سلامة الزيد والشاعر صالح الشادي إلى الصعود للمسرح لتسليم دروع التكريم والجوائز المعدة بهذه المناسبة.
وشهدت الأمسية تفاعلًا واسعًا من الحضور الذين أشادوا بما طرحه العرفج من أفكار ورؤى حول تأثير المنصات الرقمية والخوارزميات في تشكيل الوعي المعاصر، مؤكدين أهمية مثل هذه اللقاءات الثقافية في تعزيز الوعي النقدي وترسيخ ثقافة الاستخدام المسؤول للتقنية بما يخدم المجتمع ويحافظ على أمنه الفكري وقيمه وهويته الوطنية.









