الزواج المؤجل.. قلوبٌ تنزف بصمت

 

✍️ الإعلامي خضران الزهراني/ الباحة

قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.

وقال رسول الله ﷺ: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج».

في زمنٍ تتسارع فيه المتغيرات الاجتماعية وتتبدل فيه القناعات وتتنافس فيه المغريات، برزت ظاهرة عزوف بعض الشباب والفتيات عن الزواج كإحدى القضايا الاجتماعية التي تستحق الوقوف عندها بوعي ومسؤولية. فبعد أن كان الزواج حلمًا يسعى إليه الشاب والفتاة لبناء أسرة مستقرة وحياة يسودها الأمان والسكينة، أصبح لدى البعض مشروعًا مؤجلًا أو قرارًا مؤجل التنفيذ، بل وربما خيارًا مستبعدًا تمامًا.

ولم تعد الأسباب مقتصرة على الظروف الاقتصادية أو ارتفاع تكاليف المعيشة فقط، بل امتدت إلى عوامل اجتماعية ونفسية وثقافية متعددة، من أبرزها الخوف من الفشل الزوجي، وانتظار الشريك المثالي، والتأثر المبالغ فيه بما يُعرض عبر وسائل التواصل الاجتماعي من صور لحياة تبدو كاملة وخالية من المشكلات، بينما الحقيقة أن كل بيت يمر بتحدياته الخاصة.

كما أن التدخل المفرط من بعض الأسر في اختيار شريك الحياة أصبح سببًا في ضياع فرص زواج كثيرة. فكم من شاب صالح رُفض لأسباب شكلية أو مادية، وكم من فتاة ذات خلق ودين ضاعت فرصتها بسبب شروط معقدة لا علاقة لها بجوهر الحياة الزوجية.

والأكثر إيلامًا أن بعض الأبناء والبنات يعيشون تحت ضغوط نفسية هائلة داخل منازلهم، حين يتحول الزواج من قرارٍ مبني على الرضا والقناعة إلى ساحة من الضغوط والإجبار. فيعيش البعض بين رغباته المشروعة وبين خوفه من فقدان رضا أسرته، فتتألم القلوب بصمت وتختبئ الدموع خلف الأبواب المغلقة.

وفي زوايا البيوت الصامتة توجد قصص لا يعلم تفاصيلها إلا الله، شباب وفتيات يحملون همومهم بصمت، وقلوبًا أثقلتها الحيرة والخوف من المستقبل. بعضهم يبكي في خلوته، وبعضهم يخفي جراحه خلف ابتسامة مصطنعة، فيما تمضي الأيام والسنوات تاركة آثارًا لا تُرى بالعين لكنها تبقى محفورة في الأعماق.

وتحكي قصة مؤثرة عن شابٍ قضى أجمل سنوات عمره وهو يؤجل الزواج بحجة بناء مستقبله وتحقيق أهدافه المهنية. كان يعتقد أن الوقت ما زال طويلًا وأن النجاح المادي هو مفتاح السعادة. مرت الأعوام سريعًا، وحقق ما أراد من نجاحات، لكنه عاد ذات مساء إلى منزله الخالي فلم يجد من يشاركه فرحته أو يخفف عنه أعباء الحياة. عندها أدرك أن بعض الأحلام لا يعوضها مال ولا منصب.

وفي المقابل، تروي إحدى الفتيات أنها رفضت العديد من الخطاب انتظارًا لصورة مثالية رسمتها في خيالها متأثرة بما تراه عبر المنصات الرقمية. كانت تبحث عن الكمال حتى مضت السنوات، لتكتشف متأخرة أن الحياة لا تُبنى على الكمال، بل على التفاهم والمودة والرحمة والاحترام المتبادل.

إن المجتمع بحاجة إلى مراجعة كثير من العادات والتكاليف والمفاهيم التي أصبحت تعرقل الزواج بدل أن تيسره، كما يحتاج الشباب والفتيات إلى الواقعية في الاختيار وإدراك أن الحياة الزوجية ليست قصة مثالية خالية من التحديات، بل شراكة إنسانية تقوم على الصبر والتفاهم والرحمة.

وفي النهاية تبقى الأسرة هي الملاذ الآمن بعد عناء الحياة، ويبقى البيت الدافئ الذي يجمع القلوب على المحبة والرحمة نعمة عظيمة لا يعرف الإنسان قيمتها الحقيقية إلا عندما يفتقدها. فالسنوات تمضي سريعًا، والعمر لا ينتظر أحدًا، والسعادة الحقيقية لا تُقاس بما نملك من أموال ومناصب، بل بمن يشاركوننا الحياة ويمنحونها معنى ودفئًا وأملًا.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

وُلِدَ في مكة مكرَّمًا، وهاجر إلى المدينة فنوَّرها، وسكن القلوب فطهَّرها ﷺ 

  مقال/ الإعلامي خضران الزهراني عاشق القلم 🖊 هناك رجالٌ يمرّون على الأرض، وهناك رجلٌ غيَّر الله به وجه التاريخ، وأحيا به القلوب بعد موتها، وأخرج به البشرية من ظلمات الجهل إلى نور الهداية… إنه رسول الله محمد ﷺ، الرحمة المهداة، والنعمة العظمى، والحبيب الذي تهفو إليه الأرواح وتدمع لذكره العيون. وُلِدَ في مكة، فأصبحت مُكرَّمة… يا مكة، يا أطهر بقاع الأرض، فيك وُلد خير البشر،…

خاطبتُ نفسي… فكان حديثًا بين قلبي وربّي

  الإعلامي/ خضران الزهراني عاشق القلم 🖊 خاطبتُ نفسي طويلًا، وأطلتُ الصمت، وكأنني أبحث في أعماقي عن كلماتٍ تُطمئن قلبي، وتُعيد إلى روحي سكينتها، فلم أجد أعظم من تقوى الله، ولا أجمل من الصبر، ولا أصدق من الرضا بقضاء الله وقدره، ولا أقوى من الثقة بربٍّ إذا أراد شيئًا هيّأ له الأسباب، وفتح له الأبواب، وغيّر الأحوال في لحظةٍ لا يتوقعها أحد. قلتُ لنفسي: يا نفس،…

لقد فاتك ذلك

“جمعية صعوبات التعلّم “تشارك رواد الكشافة السعودية في أمسية «وعي يطمئن»

“جمعية صعوبات التعلّم “تشارك رواد الكشافة السعودية في أمسية «وعي يطمئن»

بموافقة رسمية من المركز الوطني تأسيس “جمعية غيث الشبابية” بجازان  

بموافقة رسمية من المركز الوطني تأسيس “جمعية غيث الشبابية” بجازان  

مكة المكرمة على موعد مع حدث رياضي وطني مميز احتفاءً باليوم الوطني السعودي وإنجازات الأخضر

مكة المكرمة على موعد مع حدث رياضي وطني مميز احتفاءً باليوم الوطني السعودي وإنجازات الأخضر

احذروا لصوص الأحلام ومحتالي الملايين… الوعي حصنٌ والأمانة مسؤولية وطنية

احذروا لصوص الأحلام ومحتالي الملايين… الوعي حصنٌ والأمانة مسؤولية وطنية

وُلِدَ في مكة مكرَّمًا، وهاجر إلى المدينة فنوَّرها، وسكن القلوب فطهَّرها ﷺ 

وُلِدَ في مكة مكرَّمًا، وهاجر إلى المدينة فنوَّرها، وسكن القلوب فطهَّرها ﷺ 

خاطبتُ نفسي… فكان حديثًا بين قلبي وربّي

خاطبتُ نفسي… فكان حديثًا بين قلبي وربّي

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode