حين تجتمع الكلمات على ضفاف الحرف

ايمان المغربي – جدة

في بعض اللقاءات الثقافية لا يكون الحضور مجرد اشخاص يجتمعون بل يكون للكلمات والمعاني حضورهم الخاص

هناك اماكن لا تكتفي باستقبال الزوار بل تستقبل الارواح ايضا

ومجالس المقام واحد من تلك الاماكن التي لا تكتفي بتقديم القهوة والشاي بل تفتح ابوابها للفن والثقافة والادب وتمنح الكلمة مساحة تتنفس فيها بعيد عن زحام الحياة

فقد تجد نفسك تتامل لوحة معلقة على الجدار ثم تكتشف بعد لحظات انك لا تتامل اللوحة وحدها بل تتامل شيئ من نفسك انعكس فيها وقد تمر على عبارة تمضى فتوقظ فيك فكرة كانت نائمة منذ زمن وكان الفن والادب لا يزينان المكان فقط بل يعيدان ترتيب شيء خفي في الداخل

ولعل ما يميز هذا المكان انه جعل من الشريك الادبي حضور مستمر في تفاصيله فاعتاد ان يجمع الكاتبات والقراء ومحبي الكلمة في لقاءات تمنح الحرف مساحة للحضور وتمنح الحوار فرصة للنمو

ومن اكثر ما يعجبني في المكان انك لا تشعر ان بينك وبينه مسافة بل تجد نفسك جزء من تفاصيله منذ اللحظة الاولى

وفي تلك المساحة اجتمعت كاتبات مختلفات في تجاربهن واساليبهن لكن جمعتهن مساحة واحدة اتسعت للجميع

جمعتهن مساحة واحدة كما تجمع السفينة ركابها في رحلة واحدة تختلف فيها المرافئ التي جاءوا منها لكنهم يلتقون عند افق واحد وتبقى بينهم متعة الطريق وما يتركه في النفس من صدى

ولفت انتباهي ان الكاتبات جلسن في دائرة واحدة لا تتصدرها احداهن ولا يجلس في مقدمتها رئيس او متحدث اول وكأن المكان يقول بهمس ان الحرف هو من يتوسط المجلس لا الاشخاص

ولعل اجمل ما في تلك الدائرة انها لم تكن مجرد ترتيب للمقاعد بل كانت صورة مصغرة لمعنى المشاركة فلا احد كان خلف الاخر ولا امامه بل كانت كل واحدة ترى الاخرى بوضوح وكان لكل صوت مكانه ولكل تجربة حقها في ان تسمع

وكانت كل واحدة منهن تنظر للاخرى بعين يلمع فيها شيء من الود والتشجيع وكأن النظرات كانت تقول قبل الكلمات انا معك استمري ونحن اول من يفرح بك واول من يصفق لك

ورغم اختلاف التجارب والاساليب كان بينهن خيط خفي من المحبة بدا واضح في النظرات والابتسامات التي سبقت الكلمات او جاءت بعدها حتى شعرت ان الحضور لم يكن مجرد اجتماع كاتبات بل مساحة تساند فيها الكلمات بعضها بعضا وتساند فيها القلوب اصحابها

ولم يغب عن نظري ايضا ان صاحب المكان كان بين الحضور لا فوقهم ولا بعيد عنهم وكأنه يرسل رسالة صامتة مفادها ان اصحاب المكان الحقيقيين في تلك المساحة هم اهل الكلمة وان المكان يزداد قيمة بمن يحتضنه من افكار وتجارب وحروف

كنت هناك مستمعة اتنقل بين الكلمات كما يتنقل المسافر بين المدن اطل على تجربة هنا واعبر الى شعور هناك واتوقف عند فكرة ولدت من موقف او ذكرى او لحظة تامل

ولطالما امنت ان الكتابة ليست مجرد حروف تصطف على الورق بل هي جزء من الانسان يختار ان يشاركه مع الاخرين ولذلك كانت كل كاتبة تقدم شيئ ابعد من النص كانت تقدم طريقة خاصة لرؤية الحياة وفهمها والشعور بها

واذا كانت القراءة تمنحنا فرصة ان نعيش تجارب كثيرة فان الاستماع الى الكاتبات يمنحنا فرصة اخرى لا تقل جمال فهو يقربنا من اللحظة التي ولدت فيها الفكرة ومن الطريق الذي سلكته حتى اصبحت كلمة

وما استوقفني اكثر ان الكلمات لم تكن مجرد حديث ينتهي بانتهاء لحظته بل كانت تحمل معها شيئ من اصحابها شيئ من ايامهم واسئلتهم ودهشتهم الاولى بالحياة

وفي كل مرة كانت احدى الكاتبات تزيح طرف الستار عن عالمها الخاص كنت اشعر ان للحرف قدرة مدهشة على اختصار المسافات بين البشر وان ما نعجز احيانا عن قوله في حديث طويل قد تقوله كلمة صادقة في لحظة واحدة

لم يكن ما حدث مجرد لقاء بل مساحة التقت فيها الحكايات والافكار والمشاعر عند ضفاف الحرف

وعندما غادرت وابحرت بعيد عن المكان لم اشعر انني اتركه خلفي بل شعرت ان شيئ من ذلك المساء غادر معي فكرة تستحق التامل او عبارة بقي صداها في الذاكرة او شعور جميل يصعب الامساك به بالكلمات

فبعض اللقاءات لا تنتهي عند لحظة الوداع بل تواصل سيرها معنا وتظهر من جديد كلما مررنا على كتاب او توقفنا عند معنى يشبه ما سمعناه ذات لحظة

صدى نيوز اس 1

Related Posts

من قصة آدم عليه السلام إلى مصير الإنسان.. عداوة الشيطان ومعركة الإيمان

بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه   هذا مقال ديني مستلهم من قصة نشأة الإنسان وتحذير القرآن الكريم من كيد الشيطان   الإنسان بين حقيقة النشأة وغاية الوجود   يتقلب الإنسان على ظهر هذه الأرض، يسعى في طلب رزقه، ويكافح في سبيل معيشته، ويعيش على أمل تحقيق طموحاته، وقد تشغله متاعب الحياة ومطالبها عن التأمل في حقيقة وجوده، وأصل نشأته، ومصيره بعد رحيله عن هذه…

الدربين.. 92 موضعًا تسكن الذاكرة وتحكي حكايات الماضي في مركز شعف جارمة

بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه رواية أم أحمد توثق أسماء الأماكن القديمة في قرية الدربين، وتحفظ للأجيال ذاكرة الأرض والإنسان   في ذاكرة القرى حكايات لا تكتبها الكتب، وأسماء لا تحفظها الخرائط، لكنها تبقى راسخة في وجدان أهلها، شاهدة على حياة الآباء والأمهات والأجداد، وعلى تفاصيل أيام مضت، عاشوا فيها بين الجبال والشعاب والأودية والمراعي.   ومن بين تلك الحكايات، تبرز قرية الدربين، بمركز…

لقد فاتك ذلك

من قصة آدم عليه السلام إلى مصير الإنسان.. عداوة الشيطان ومعركة الإيمان

من قصة آدم عليه السلام إلى مصير الإنسان.. عداوة الشيطان ومعركة الإيمان

الدربين.. 92 موضعًا تسكن الذاكرة وتحكي حكايات الماضي في مركز شعف جارمة

الدربين.. 92 موضعًا تسكن الذاكرة وتحكي حكايات الماضي في مركز شعف جارمة

جذور النفاق الاجتماعي وازدواجية المعايير

جذور النفاق الاجتماعي وازدواجية المعايير

جمعية الطائف الخيرية لذوي الاحتياجات الخاصة تنظم ورشة ( فن الإتيكيت ) لتمكين مستفيداتها

جمعية الطائف الخيرية لذوي الاحتياجات الخاصة تنظم ورشة ( فن الإتيكيت ) لتمكين مستفيداتها

قدامي الخليج تعادل السعودية والكويت واكتساح عراقي لمرمى عمان  البطولة تجمع نخبة من أساطير كرة القدم في المنطقة

قدامي الخليج  تعادل السعودية والكويت واكتساح عراقي لمرمى عمان   البطولة تجمع نخبة من أساطير كرة القدم في المنطقة

14 مدرسة بتعليم الطائف تحقق التميز على مستوى المملكة في التميز المدرسي لعام 2026 م 

14 مدرسة بتعليم الطائف تحقق التميز على مستوى المملكة في التميز المدرسي لعام 2026 م 

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode