السِّياجُ القَصِيرُ

 

بقلم زهرة سعيد الراسبي

كَانَ أَيْمَنُ أَوَّلَ وَجْهٍ قَابَلَهُ مُبَاشَرَةً بَعْدَ خُرُوجِهِ إِلَى الحَيَاةِ، وَأَوَّلَ يَدٍ حَمَلَتْهُ بِحَنَانٍ، وَهَزَّتْهُ بِرِفْقٍ وَهُوَ يُرَدِّدُ:

«يَا لَهُ مِنْ صَغِيرٍ جَمِيلٍ وَمُمَيَّزٍ… عَيْنَاهُ تَحْمِلَانِ الكَثِيرَ مِنَ التَّحَدِّي وَالنَّبَاهَةِ».

تَبْدَأُ الأُمُّ بِلَعْقِ صَغِيرِهَا بِحُنُوٍّ بَالِغٍ بَعْدَمَا سَلَّمَهُ لَهَا، فَأَسْنَدَ الصَّغِيرُ رَأْسَهُ فِي حِضْنِ أُمِّهِ وَهُوَ يَتْبَعُ بِنَظَرَاتِهِ أَيْمَنَ وَهُوَ يُغَادِرُ الإِسْطَبْلَ.

كَبُرَتْ مَسَاحَةُ الإِعْجَابِ بِأَيْمَنَ فِي قَلْبِ العِجْلِ الصَّغِيرِ كُلَّمَا كَبُرَتْ سِنُوهُ، وَلَمْ تَكُنِ الأَمَاكِنُ جَمِيلَةً فِي عَيْنَيْهِ إِلَّا بِوُجُودِ أَيْمَنَ.

فَبِالإِضَافَةِ إِلَى مُهِمَّتِهِ فِي الاِهْتِمَامِ بِالمَوَاشِي مِنْ تَغْذِيَةٍ وَتَنْظِيفٍ وَرَعْيٍ وَعِلَاجٍ أَحْيَانًا، إِلَّا أَنَّهُ وَبِفَضْلِ حُبِّهِ لِلْحَيَوَانَاتِ كَانَ يَجِدُ فِي اللَّعِبِ مَعَ صِغَارِ القُطْعَانِ هُرُوبًا لَهُ مِنْ ضُغُوطِ الحَيَاةِ.

كَمَا كَانَ يُمَيِّزُ بَيْنَ إِيمَاءَاتِ الشُّعُورِ المُخْتَلِفَةِ لِلْحَيَوَانَاتِ، فَيُمَيِّزُ ذُبُولَ الجُوعِ، وَتَمَلْمُلَ الضَّجَرِ، وَأَنَّاتِ الأَلَمِ، وَانْعِزَالَاتِ الحُزْنِ، فَكَانَ المُطَبْطِبَ وَالمُبَادِرَ وَالمُعَالِجَ.

وَكَانَ فِي عَيْنَيْ العِجْلِ الصَّغِيرِ -وَالَّذِي سُمِّيَ رَامْبُو تَيَمُّنًا بِشَخْصِيَّةٍ كَرْتُونِيَّةٍ- كُلَّ شَيْءٍ؛ المَلْجَأَ وَالمَرْفَأَ.

تَمْضِي الأَيَّامُ وَيَكْبُرُ رَامْبُو، وَتَبْزُغُ قُوَّتُهُ بِبُرُوزِ عَضَلَاتِهِ.

وَيَطْلُبُ صَاحِبُ المَزْرَعَةِ مِنْ أَيْمَنَ البَدْءَ بِتَدْرِيبِهِ عَلَى المُصَارَعَةِ لِيُهَيِّئَهُ لِمَوْسِمِ مُصَارَعَةِ الثِّيرَانِ المُقْبِلِ.

فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُتْعِبًا لِأَيْمَنَ، فَعِشْقُهُ اللَّعِبَ مَعَ الحَيَوَانَاتِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَدِيدًا عَلَى رَامْبُو؛ لِأَنَّهُ تَعَوَّدَ عَلَى المُصَارَعَةِ مُسْبَقًا، وَالَّتِي كَانَ يَرَاهَا لُعْبَةً مَعَ أَيْمَنَ.

لِيَتَسَابَقَ اللَّيْلُ مَعَ النَّهَارِ، وَيَتَوَقَّفَا فَجْأَةً مَعَ ذَلِكَ اليَوْمِ شَدِيدِ الثِّقَلِ بَطِيءِ المُضِيِّ.

فَقَدْ حَضَرَتْ شَاحِنَةٌ كَبِيرَةٌ لِيُسَاقَ رَامْبُو وَمَجْمُوعَةٌ مِنَ الثِّيرَانِ إِلَيْهَا.

وَمَعَ رَفْضِهِ فِي البِدَايَةِ التَّزَحْزُحَ مِنْ مَكَانِهِ وَرُكُوبَ تِلْكَ الشَّاحِنَةِ المُرِيبَةِ، إِلَّا أَنَّهُ فِي نِهَايَةِ الأَمْرِ صَعِدَ إِلَيْهَا مُسْتَسْلِمًا عِنْدَمَا لَاحَظَ أَيْمَنَ يَرْكَبُ فِي المُقَدِّمَةِ مَعَ السَّائِقِ.

دَرْبٌ طَوِيلٌ وَمَنَاظِرُ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَرَاهَا رَامْبُو، بَيْنَ الحُقُولِ النَّضِرَةِ وَالسَّوَاقِي المُعَلَّمَةِ بِالنَّشَاطِ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُزِحْ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ قَلَقِهِ المُبْهَمِ.

وَأَخِيرًا تَبَدَّلَتْ أَصْوَاتُ السَّوَاقِي وَعَصَافِيرِ الحَقْلِ إِلَى هُتَافَاتٍ تَعْلُو أَحْيَانًا وَتَنْخَفِضُ أَحْيَانًا أُخْرَى…

وَأَخِيرًا تَبَدَّلَتْ أَصْوَاتُ السَّوَاقِي وَعَصَافِيرِ الحَقْلِ إِلَى هُتَافَاتٍ تَعْلُو أَحْيَانًا وَتَنْخَفِضُ أَحْيَانًا أُخْرَى.

بَعْدَهَا سِيقَتْ مَجْمُوعَةُ الثِّيرَانِ إِلَى الحَلَبَةِ، لِتَبْدَأَ نِهَايَةُ الإِنْسَانِيَّةِ عِنْدَهَا.

إِذْ تُثَارُ تِلْكَ الثِّيرَانُ لِتَتَصَارَعَ فِيمَا بَيْنَهَا، وَبَيْنَ مَجْمُوعَاتٍ أُخْرَى مِنْ ثِيرَانِ مَزَارِعَ أُخْرَى.

هُوَ صِرَاعٌ وَكَفَى…

بِلَا سَبَبٍ، بِلَا مُقَدِّمَاتٍ.

وَلَكِنْ لِهَدَفٍ وَاحِدٍ:

التَّسْلِيَةِ وَجَمْعِ المَالِ مِنَ المُرَاهَنَاتِ.

هُنَا تَنْسَلِخُ الإِنْسَانِيَّةُ مِنْ قُلُوبِ المُنَظِّمِينَ وَالمُرَاهِنِينَ وَالجُمْهُورِ، لِيَسْتَمْتِعُوا بِمَنْظَرِ ذَلِكَ الصِّرَاعِ الدَّمَوِيِّ.

فَتَنْصَبُّ قُوَّةُ الثَّوْرِ وَفَخَامَتُهُ وَصَلَابَتُهُ بِقُرُونِهِ الفُولَاذِيَّةِ المُدَبَّبَةِ عَلَى أَخِيهِ الثَّوْرِ الآخَرِ، وَالعَكْسُ صَحِيحٌ.

وَهَكَذَا حَتَّى يَنْهَارَ أَحَدُهُمَا مُخَضَّبًا بِدِمَائِهِ وَدِمَاءِ نِدِّهِ، فَيَسْقُطَ مُسْتَسْلِمًا.

وَمَا زَالَتِ الهُتَافَاتُ الصَّاخِبَةُ المُسْتَمْتِعَةُ بِسُقُوطِهِ تَمْلَأُ المَكَانَ، وَهُوَ يَتَسَاءَلُ بِذُهُولٍ:

تُرَى مَا المُفْرِحُ فِي سُقُوطِي؟

هَلْ أَنَا عَدُوٌّ لأَحَدِكُمْ؟

أَوْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الخِلَافِ أَوِ الصِّرَاعِ يَوْمًا؟

لِيَسْقُطَ الثَّوْرُ النِّدُّ بَعْدَ لَحَظَاتٍ، وَأَنْفَاسُهُ المُثْقَلَةُ كَقِدْرِ ضَغْطٍ يَفُورُ بِالبُخَارِ.

فَتَأَمَّلَهُ رَامْبُو بِحَسْرَةٍ وَقَالَ فِي سِرِّهِ:

سَامِحْنِي يَا زَمِيلِي…

فَقَدْ تَصَارَعْنَا وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ مَا سَبَبُ هَذَا الخِلَافِ.

تَذَكَّرَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَيْمَنَ…

فَهُوَ الأَمَانُ، وَهُوَ اليَدُ الحَانِيَةُ.

فَلَفَّ بِبَصَرِهِ فِي أَرْجَاءِ المَكَانِ حَتَّى رَآهُ مِنْ بَعِيدٍ.

فَقَامَ مُثْقَلًا بِجِرَاحِهِ لِيَصِلَ إِلَيْهِ.

كَانَتْ عَيْنَاهُ تَشْكُو لَهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَدُمُوعُهُ مُمْتَزِجَةٌ بِشَيْءٍ مِنَ الدَّمَاءِ.

أَدْنَى رَأْسَهُ مِنْ صَدِيقِهِ، فَقَبَّلَهُ أَيْمَنُ بِحَسْرَةٍ، وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ:

سَامِحْنِي يَا صَدِيقِي…

فَقَدْ رَمَيْتُ بِكَ وَسْطَ هَذِهِ المَعْمَعَةِ.

فَهَذَا عَمَلِي…

وَهَذِهِ هِيَ الحَيَاةُ.

سَأَلَهُ رَامْبُو بِعَيْنَيْهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَفْهَمُهُ، فَقَدِ اعْتَادَ عَلَى ذَلِكَ مُنْذُ صِغَرِهِ:

لِمَ لَمْ تُدَافِعْ عَنِّي كَعَادَتِكَ؟

لِمَاذَا أَدْخَلْتَنِي إِلَى الحَلَبَةِ أَصْلًا؟

لِمَاذَا تَقِفُ خَلْفَ هَذَا السِّيَاجِ الخَشَبِيِّ؟

إِنَّهُ قَصِيرٌ…

وَبِإِمْكَانِكَ القَفْزُ فَوْقَهُ.

أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

فَهِمَ أَيْمَنُ…

وَشَعَرَ أَنَّ كُلَّ مَشَاهِدِ النَّدَمِ فِي العَالَمِ قَدْ جَثَمَتْ فَوْقَ صَدْرِهِ.

يَا إِلَهِي…

فَرَّطْتُ بِأَعَزِّ صَدِيقٍ لَدَيَّ.

فَرَّطْتُ بِرَامْبُو.

فَقَبَّلَهُ فِي رَأْسِهِ، وَعَيْنَاهُ تَفِيضَانِ بِدُمُوعِ الحَسْرَةِ.

لِيَتَقَهْقَرَ رَامْبُو قَلِيلًا إِلَى الوَرَاءِ، مُسْتَسْلِمًا لِنِهَايَتِهِ.

وَهُوَ مَا زَالَ يَحْمِلُ السُّؤَالَ نَفْسَهُ.

وَمَا زَالَ قَلْبُهُ مُعَلَّقًا بِأَيْمَنَ.

وَعَيْنَاهُ تَبْدُوَانِ وَكَأَنَّهُمَا تَغُورَانِ شَيْئًا فَشَيْئًا…

رُبَّمَا لَمْ يَرَنِي…

رُبَّمَا لَمْ يَسْتَطِعِ القَفْزَ مِنَ السِّيَاجِ لِسَبَبٍ مَا…

لِتُغْمِضَ عَيْنَاهُ أَخِيرًا، وَتَنْسَكِبَ مِنْهُمَا دُمُوعُ القَهْرِ.

وَكَانَ آخِرُ مَا رَأَتْهُ عَيْنَاهُ…

هُوَ أَوَّلُ مَا رَأَتَاهُ يَوْمَ وُلِدَ…

أَيْمَنُ.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

الإدارة الناجحة 

  لايحمل الحقد من تعلوا به الرتب ولا ينال العلا من طبعه الغضب بقلم الإعلامي✍️ : / صالح الزهراني مكة المكرمة محافظة جدة الموافق ١٤٤٨/١/٥هـ عندما يتحول المفهوم إلى واقع ملموس تتخلله المواقف من وعي التجربة إلى حقيقة الواقع ومن حيرة الأسئلة الدائمة إلى الشفافية المباشرة بروح البساطة والوضوح بعيداً عن زيف التبعية والبرود إلى إحساس المسؤلية والعمل بروح الفريق الواحد مستلمهاً فن الإدارة بأسلوب عميق…

الميدان… المدرسة الحقيقية للإعلام

  بقلم أ. غميص الظهيري : يُعد الميدان المدرسة الحقيقية للإعلام، فالإعلامي الذي لا ينزل إلى الميدان ولا يعايش الأحداث عن قرب، يصعب عليه أن يتقن العمل الإعلامي بمفهومه المهني الصحيح. فالإعلام ليس مجرد متابعة للمواقع الإلكترونية أو ممارسة القص واللصق وإعادة نشر ما يكتبه الآخرون، بل هو حضور ومتابعة وتوثيق وصناعة للمحتوى من مصدره الأساسي. إن الاعتماد على نقل أخبار الآخرين دون جهد شخصي أو…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

الإدارة الناجحة 

الإدارة الناجحة 

السعودية × إسبانيا.. مواجهة مونديالية مرتقبة للأخضر في كأس العالم 2026

السعودية × إسبانيا.. مواجهة مونديالية مرتقبة للأخضر في كأس العالم 2026

الميدان… المدرسة الحقيقية للإعلام

الميدان… المدرسة الحقيقية للإعلام

السِّياجُ القَصِيرُ

السِّياجُ القَصِيرُ

عندما يصبح الأمل وطنًا

عندما يصبح الأمل وطنًا

تدشين تطبيق “دليل الباحة السياحي” لتعزيز تجربة الزائر ودعم الاستثمار

تدشين تطبيق “دليل الباحة السياحي” لتعزيز تجربة الزائر ودعم الاستثمار

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode