كتب حمد دقدفي
قراءة من خلال الاجتماع الاول لفناني جازان الذي نظمته جمعية الثقافة والفنون في بيت الثقافة دعت فيه كبار الفنانين لرصد اقتراحاتهم عن الواقع التشكيلي وكيفية اعادة الوهج .
يمثل الفن التشكيلي في منطقة جازان أحد أهم الروافد الثقافية التي أسهمت في تشكيل الهوية البصرية للمنطقة، ووثقت تفاصيل الإنسان والمكان والتراث عبر عقود طويلة من العطاء. إلا أن المتابع للمشهد التشكيلي اليوم يلحظ وجود حالة من القلق المشروع لدى عدد من الفنانين والفنانات الذين يشعرون بأن جهودهم التاريخية لم تنل ما تستحقه من تقدير أو توثيق أو دعم مؤسسي حقيقي.
ويبدو أن أبرز التحديات تتمثل في غياب منظومة دعم مستدامة للفنان التشكيلي، سواء من خلال المعارض النوعية أو برامج الاقتناء أو المبادرات الاستثمارية التي تحول الإبداع إلى قيمة اقتصادية وثقافية. فالكثير من التجارب الرائدة ما زالت تعتمد على الجهود الفردية، بينما تغيب البرامج التي تحفظ حقوق الفنانين وتضمن استمرارية عطائهم.
أزمة التوثيق
ومن القضايا التي تثير تساؤلات الوسط التشكيلي ضعف التوثيق الرسمي لمسيرة الفنانين والفنانات الذين صنعوا ملامح الحركة التشكيلية في جازان. فالمكتبة الثقافية ما زالت بحاجة إلى أرشيف متكامل يحفظ أسماء الرواد وأعمالهم وتجاربهم ومعارضهم، حتى لا تضيع سنوات طويلة من المنجز الفني بين الذاكرة الشخصية والنسيان المؤسسي.
فالتوثيق ليس رفاهية ثقافية، بل هو اعتراف بالتاريخ وحفظ للمنجز وتقديمه للأجيال القادمة بوصفه جزءاً من ذاكرة الوطن.
إشكالية النقد والمصطلح
كما يبرز تحدٍ آخر يتمثل في محدودية النقد التشكيلي المتخصص، حيث يلاحظ بعض الفنانين وجود خلط بين المصطلحات الفنية والمفاهيم النقدية، الأمر الذي ينعكس على قراءة الأعمال وتحليلها. فالحركة التشكيلية تحتاج إلى نقاد وباحثين يمتلكون أدوات معرفية وأكاديمية قادرة على تفسير التجارب الفنية وإثراء الحوار الثقافي حولها بعيداً عن الانطباعات السطحية أو المجاملات.
بين الموهبة والتخصص
ومن الملفات الجدلية داخل المشهد التشكيلي قضية التمييز بين الفنان التشكيلي الممارس للفن بوصفه مشروعاً إبداعياً متكاملاً، وبين من قدموا إلى الساحة من تخصصات التربية الفنية أو المجالات التعليمية.
والحقيقة أن القضية لا ينبغي أن تكون صراعاً بين فئتين، بل معيارها الحقيقي هو جودة التجربة الفنية ومنجزها وإسهامها الثقافي. فالفن لا يعترف بالشهادات وحدها، كما لا يكتفي بالموهبة المجردة، وإنما يحتفي بالمنجز والإبداع والاستمرارية.
حضور المؤسسات الثقافية
وفي المقابل يرى عدد من المهتمين أن حضور بعض المظلات الثقافية الرسمية ما زال أقل من الطموح مقارنة بحجم الحراك التشكيلي في المنطقة. فالفنانون ينتظرون برامج أكثر تأثيراً، ومعارض دورية، وشراكات مع الجهات الحكومية والخاصة، ومبادرات تفتح آفاق التسويق والاقتناء والتدريب.
إن المؤسسة الثقافية الناجحة لا تكتفي بتنظيم الفعاليات، بل تصنع بيئة إبداعية متكاملة يشعر فيها الفنان بأن جهده محل تقدير واهتمام.
حلول ومقترحات
لإعادة وهج الفن التشكيلي في جازان يمكن العمل على عدة مسارات:
• إنشاء مركز أو مرصد لتوثيق الحركة التشكيلية بالمنطقة وتاريخ روادها.
• إطلاق برنامج سنوي لاقتناء الأعمال الفنية من الفنانين والفنانات.
• تأسيس ملتقى نقدي متخصص يستضيف نقاداً وأكاديميين من داخل المملكة وخارجها.
• إقامة معارض متنقلة داخل المحافظات وخارج المنطقة للتعريف بالتجارب الجازانية.
• بناء شراكات مع القطاع الخاص لدعم المعارض والمسابقات الفنية.
• إنشاء قاعدة بيانات رقمية للأعمال الفنية والفنانين.
• تمكين الفنانين الشباب من الاحتكاك بالرواد والاستفادة من خبراتهم.
خاتمة
يبقى الفن التشكيلي في جازان شجرة وارفة الجذور، سقَتها مواهب صادقة وأحلام كبيرة وألوان استمدت دفئها من البحر والجبل والوادي. وما يحتاجه هذا الفن اليوم ليس الشكوى بقدر ما يحتاج إلى الإنصاف، وليس البحث عن الأضواء بقدر ما يحتاج إلى من يفتح النوافذ للنور.
فحين يُكرَّم المبدع، ويُوثَّق عطاؤه، وتُصان تجربته، تتحول اللوحة من مجرد ألوان على قماش إلى ذاكرة وطن، وتصبح جازان كما كانت دائماً… مرسماً مفتوحاً للجمال، ومنصةً تليق بمبدعيها









