كلمات جميلة من الدكتورة فاطمة يونس صليل : في تحطم طائرة أرامكو 

محمد العامي – الباحة :

منذ أن قرأت خبر حادث الطائره التي راح كل من فيها ١٤ روح في لحظه 

وأنا أحاول أن أجد الكلمات المناسبة، لكنني لم أستطع. حاولت أن أنام، إلا أن الخبر ظل يرافقني طوال الليل، وكأن القلب يرفض أن يصدق أن أربعة عشر روحًا يمكن أن ترحل في لحظات معدودة.

المنطقة الشرقية حزينة… والمملكة كلها حزينة.

أربعة عشر إنسانًا رحلوا في لحظة واحدة.

قد يراها البعض مجرد أرقام في خبر، لكن الحقيقة أن خلف كل رقم حياة كاملة، وعائلة كاملة، وأحلامًا كاملة.

كان لكل واحدٍ منهم أم تنتظر عودته، وأب يدعو له، وزوجة تجهز لاستقباله، وأطفال يركضون نحوه كلما عاد إلى المنزل، وإخوة وأصدقاء وزملاء عمل أحبوه وعاشوا معه تفاصيل الحياة.

كان لكل واحدٍ منهم خطط للغد… وأحلام يريد تحقيقها… وأمنيات لم تكتمل… وربما كلمة أخيرة لم تُقل، أو موعد لم يأتِ وقته، أو طفل كان ينتظر أن يحتضنه والده في نهاية اليوم.

خرجوا جميعًا كما يخرج آلاف الموظفين كل صباح، يسعون في طلب الرزق، ويؤدون أعمالهم بكل أمانة وإخلاص، ولم يكن أحد منهم يعلم أن ذلك الصباح سيكون آخر صباح في الدنيا.

وربما ما زاد ألمي الشخصي هو أنني ابنة أرامكو.

وُلدت هناك، وترعرعت هناك، وعشت طفولتي بين مجتمعاتها، ووالدي أفنى أكثر من أربعين عامًا من عمره في العمل داخل أرامكو.

ومنذ طفولتي، هناك عبارة واحدة كانت تتكرر أمامنا في كل مكان، وفي كل مناسبة، وفي كل مدرسة، وفي كل منشأة:

السلامة أولًا.

لم تكن مجرد شعار يُكتب على الجدران، بل كانت ثقافة حياة.

تعلمنا أن السلامة مسؤولية الجميع، وأن أدق التفاصيل قد تُغيّر مصير إنسان، وأن العودة إلى المنزل سالمًا هي أهم إنجاز في نهاية كل يوم عمل.

ولهذا… كان هذا الخبر مؤلمًا أكثر.

ليس لأن السلامة لم تكن موجودة، بل لأننا ندرك جميعًا أن الإنسان، مهما أخذ بالأسباب، يبقى تحت قدر الله سبحانه وتعالى.

فهناك أحداث، رغم كل معايير السلامة، ورغم كل الاحتياطات، ورغم كل الخبرات، تقع لأنها قضاء الله الذي لا يرده شيء.

وأنا أعرف تمامًا أن الألم اليوم لا يقتصر على أسر الضحايا فقط، بل يمتد إلى داخل أرامكو نفسها.

أعرف هذا الشعور. 

أعرف كيف تتحول المؤسسة الكبيرة في مثل هذه اللحظات إلى عائلة واحدة.

كيف يشعر الزملاء بأنهم فقدوا إخوةً لهم.

وكيف يراجع الجميع أنفسهم، ويحزن الجميع، ويتمنى كل شخص لو استطاع أن يغيّر ما حدث.

هذا النوع من الحوادث لا يؤلم عائلة واحدة فقط، بل يؤلم مجتمعًا كاملًا عاش سنوات وهو يؤمن بأن العودة إلى المنزل سالمًا هي أعظم نهاية ليوم العمل.

وفي مثل هذه الفواجع، لا نحزن على من رحلوا فقط، بل يعتصر القلب ألمًا على من بقوا بعدهم.

على أمٍ تنتظر اتصالًا لن يأتي. 

على زوجةٍ ستفتح الباب وهي تعلم أن من اعتادت انتظاره لن يعود. 

على طفلٍ سيكبر وهو يحمل صور والده أكثر مما يحمل ذكرياته. 

وعلى أبٍ وأمٍ يعيشان أصعب ابتلاء يمكن أن يمر به الإنسان.

وأنا كأم… أكثر ما يؤلمني أن أتخيل مشاعر تلك الأمهات.

لا يوجد في الدنيا وجع يشبه أن تُفجع الأم في ولدها، أو أن يُفجع الإنسان بمن يحب.

إنه شعور لا تصفه الكلمات، ولا يخففه إلا لطف الله ورحمته.

وهذه الفواجع تذكرنا جميعًا بأننا، مهما ظننا أننا مستعدون، فإننا لا نستعد أبدًا لفواجع الدهر.

فالحياة أقصر مما نظن، وأقرب مما نتخيل، وقد يكون الوداع الأخير في لحظة لا يتوقعها أحد.

لذلك لا تؤجلوا كلمات المحبة، ولا الاعتذار، ولا السؤال عن أحبابكم، ولا الدعاء لهم.

اللهم لا تفجعنا في أبنائنا، ولا في أمهاتنا وآبائنا، ولا في أزواجنا وزوجاتنا، ولا في إخواننا وأخواتنا، ولا في كل من نحب.

اللهم إنّا نحتسبهم عندك من الشهداء، فأكرم وفادتهم إليك، واجعل آخر عهدهم بالدنيا خيرًا، واجمعنا وإياهم في جنات النعيم.

اللهم اربط على قلوب أمهاتهم وآبائهم، وزوجاتهم، وأبنائهم، وإخوتهم، وكل من أحبهم، وألهمهم الصبر والسلوان، وعوضهم خيرًا في مصابهم.

رحم الله من رحل، وشفى الله قلوب من بقي، وألّف بين قلوبنا على الصبر والرضا بقضائهم

إنا لله وإنا إليه راجعون

صدي نيوز اس 6

Related Posts

شركة دليل الزوار لخدمات الحجاج تقيم الحفل الختامي لموسم حج 1447هـ

محمد السفياني – مكة المكرمة أقامت شركة دليل الزوار لخدمات الحجاج حفلها الختامي لموسم حج 1447هـ في قاعة جواهر بمكة المكرمة، احتفاءً بنجاح الموسم، وتقديراً للجهود المتميزة التي أسهمت في تقديم أرقى الخدمات لضيوف الرحمن، في موسمٍ اتسم بالتنظيم العالي والتكامل بين الجهات المشاركة. وتخلل الحفل تكريم الجهات التي أدّت دوراً بارزاً في إنجاح أعمال الموسم، ومن ضمنها جمعية نجوم السياحة بمنطقة مكة المكرمة، تقديراً لإسهاماتها…

نادي ملتقى المبدعين الثقافي يهنئ اللواء مشعل بن جريد العنزي بترقيته

  غيدا الغامدي – الرياض يتقدم نادي ملتقى المبدعين الثقافي بخالص التهاني والتبريكات إلى عضو النادي سعادة اللواء **مشعل بن جريد العنزي**، بمناسبة صدور الثقة الملكية الكريمة بترقيته إلى رتبة **لواء**. ويبارك النادي له هذه الثقة الغالية، سائلًا الله أن يوفقه ويسدد خطاه، وأن يجعلها عونًا له على خدمة الدين ثم المليك والوطن، وأن يديم على وطننا نعمة الأمن والعزة والرخاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

مجتمع ( PPMENA ) يُطلق مبادرة للمرونة الإنسانية لتعزيز السكينة النفسية

مجتمع ( PPMENA ) يُطلق مبادرة للمرونة الإنسانية لتعزيز السكينة النفسية

جامعة الباحة تحقق تقدمًا عالميًا في تصنيف U.S. News لأفضل الجامعات

جامعة الباحة تحقق تقدمًا عالميًا في تصنيف U.S. News لأفضل الجامعات

شركة دليل الزوار لخدمات الحجاج تقيم الحفل الختامي لموسم حج 1447هـ

شركة دليل الزوار لخدمات الحجاج تقيم الحفل الختامي لموسم حج 1447هـ

التغطية الاحترافية للأزمات وبناء التأثير الإعلامي

التغطية الاحترافية للأزمات وبناء التأثير الإعلامي

كلمات جميلة من الدكتورة فاطمة يونس صليل : في تحطم طائرة أرامكو 

كلمات جميلة من الدكتورة فاطمة يونس صليل : في تحطم طائرة أرامكو 

أجرت صحيفة صدى نيوز حوارًا صحفيًا مع الإكاديمية والأديبة الدكتورة أديم بنت ناصر الأنصاري عن كتاب سندسباد

أجرت صحيفة صدى نيوز حوارًا صحفيًا مع الإكاديمية والأديبة الدكتورة أديم بنت ناصر الأنصاري عن كتاب سندسباد

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode