القلق الذي يبني …والقلق الذي يهدم

بقلم /فوزية الوثلان

ليس كل قلقٍ عدوًا للإنسان، كما أن الهدوء

ليس دائمًا علامة راحة. فهناك قلقٌ يوقظ الهمم، وقلقٌ يستنزف الأعصاب، وبينهما تتحدد جودة حياتنا وطريقة تعاملنا مع الأحداث

فالقلق الإيجابي هو ذلك الشعور الذي يدفعك إلى الاستعداد، ويحثك على الإتقان، ويوقظ في داخلك حس المسؤولية. إنه القلق الذي يجعلك تراجع دروسك قبل الاختبار، وتعيد النظر في تفاصيل مناسبة مهمة حتى تخرج بأفضل صورة، وتراجع عملك أكثر من مرة حتى تطمئن إلى جودته. هذا النوع من القلق لا يشل الحركة، بل يحفزها، ولا يزرع الخوف، بل يدفع إلى الإنجاز. إنه رسالة من العقل تقول: استعد، وأحسن، وابذل السبب.

أما القلق السلبي فهو الوجه الآخر الذي يسرق من الإنسان طمأنينته دون أن يقدم له حلاً. هو الانشغال المستمر بأمور لا يملك تغييرها، أو تضخيم مواقف يومية لا تستحق كل هذا الاستنزاف. فمن يقلق كل صباح بسبب ازدحام الطرق، أو يقف عند إشارة المرور وهو يغلي غضبًا، أو يشكو في كل يوم من أمور تتكرر ولا يستطيع تغييرها، فإنه يحمل على كتفيه عبئًا لا فائدة منه. فالطريق لن يفرغ بسبب القلق، والإشارة لن تفتح أسرع لأننا تذمرنا منها.

ومع مرور الأيام يتحول هذا القلق السلبي إلى عادة، فتضيق النفس، ويسوء المزاج، ويصبح الإنسان سريع الانفعال، قاسيًا في تعامله مع من حوله، بينما السبب الحقيقي ليس الناس، وإنما تراكم الضغوط التي سمح لها أن تستقر في داخله.

الحكمة ليست في أن نمنع القلق تمامًا، فهذا أمر يخالف طبيعة الإنسان، وإنما في أن نسأل أنفسنا: هل هذا القلق سيدفعني إلى عملٍ نافع، أم أنه مجرد استنزاف لطاقتي؟

فإن كان الأمر بيدك، فابذل جهدك، وأتقن عملك، وخطط له جيدًا، ثم اطمئن. وإن كان خارج إرادتك، فلا تمنحه من وقتك ومشاعرك أكثر مما يستحق، لأن القلق لن يغير الواقع، لكنه قد يغيرك أنت إلى الأسوأ.

لقد علمنا الإسلام هذا الميزان الدقيق بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله. فالمؤمن لا يهمل واجبه بحجة التوكل، ولا يحمل هموم الدنيا كلها على كتفيه بعد أن يؤدي ما عليه. بل يجتهد، ويُحسن، ثم يسلم الأمر لمن بيده تدبير كل شيء.

فاجعل القلق وقودًا يدفعك إلى النجاح، لا قيدًا يسلبك راحة قلبك. وميّز دائمًا بين قلقٍ يصنع الإنجاز، وقلقٍ لا يصنع إلا التعب. فالحياة تحتاج إلى عملٍ متقن، وقلبٍ مطمئن، ونفسٍ تعلم أن ما كتبه الله لها سيأتيها في وقته، مهما تأخر، وأن ما لم يُكتب لها لن تناله مهما بالغت في القلق.

أتقن ما تستطيع، ودع ما لا تستطيع لله؛ فهناك تبدأ الطمأنينة الحقيقية.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

لماذا تقدم المنتخب السعودي في تصنيف فيفا؟

  ارتبط تحسن ترتيب المنتخب السعودي بنتائجه في كأس الخليج العربي «خليجي 27»، التي أقيمت في مدينة جدة، حيث نجح «الأخضر» في حصد اللقب دون أن تهتز شباكه بأي هدف خلال مشواره في البطولة.   وتكتسب نتائج النسخة الأخيرة من كأس الخليج أهمية إضافية في حسابات التصنيف العالمي، بعدما اعتمد الاتحاد الدولي لكرة القدم نتائج مباريات خليجي 27 ضمن نقاط تصنيف فيفا للمرة الأولى.   وساعدت…

أسطورة السيادة الجوية: رحلة المقاتلة F-15 Eagle من صفحات التاريخ إلى ميادين «وارثندر»

  بقلم أحمد علي بكري تستعرض سماء الطيران الحربي أسماءً عديدة تركت بصماتها عبر عقود طويلة من التطور العسكري والتقني، غير أن القليل من تلك المقاتلات استطاع أن يتحول إلى رمز حقيقي للتفوق الجوي كما فعلت المقاتلة الأمريكية الشهيرة F-15 Eagle، التي أصبحت منذ ظهورها واحدة من أبرز مقاتلات التفوق الجوي في التاريخ الحديث، وارتبط اسمها على مدى عقود بمفهوم السيطرة على المجال الجوي والقدرة على…

لقد فاتك ذلك

“الشعر يشدو للوطن”.. أمسية أدبية تجمع نخبة من الشعراء على مسرح جمعية أدبي جازان

“الشعر يشدو للوطن”.. أمسية أدبية تجمع نخبة من الشعراء على مسرح جمعية أدبي جازان

جمعية تنمية الباحر الأهلية تُطلق الدراسة الأولية النسائية للشارة الخشبية

جمعية تنمية الباحر الأهلية تُطلق الدراسة الأولية النسائية للشارة الخشبية

في احتفالية جمعت بين التوهج الأدبي والفرح الرياضي ​9 شعراء يضيئون سماء جازان بأعذب القصائد احتفاءً باليوم الوطني الـ 96 ولقب “خليجي 27”

في احتفالية جمعت بين التوهج الأدبي والفرح الرياضي  ​9 شعراء يضيئون سماء جازان بأعذب القصائد احتفاءً باليوم الوطني الـ 96 ولقب “خليجي 27”

هطول أمطار مساء اليوم على مكة المكرمة

هطول أمطار مساء  اليوم على مكة المكرمة

بمشاركة أكثر من ٧٠ دولة :حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد يرعى انطلاق المؤتمر الدولي ١٢ للغة العربية

بمشاركة أكثر من ٧٠ دولة :حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد يرعى انطلاق المؤتمر الدولي ١٢ للغة العربية

كيان ترسّخ حضورها في الملتقى الدولي للمسؤولية الاجتماعية 2026 من الإلتزام إلى صناعة الأثر

كيان ترسّخ حضورها في الملتقى الدولي للمسؤولية الاجتماعية 2026 من الإلتزام إلى صناعة الأثر

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode