سلسلة حياتك السعيدة المقال (23) ذكاءُ العاطفةِ.. كيف تُديرُ مشاعرَك برؤيةٍ إيمانيةٍ؟

 

بقلم الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان

العاطفةُ نعمةٌ عظيمةٌ أودعها اللهُ تعالى في قلبِ الإنسان، وجعلها من أعظمِ دوافعِ الخيرِ إذا استقامت، ومن أخطرِ أسبابِ الانحرافِ إذا انفلتت من زمامِ العقلِ والإيمان. فليست السعادةُ في إلغاءِ المشاعرِ، ولا في الاستسلامِ لها، وإنما في تهذيبِها، وتوجيهِها وفقَ هديِ اللهِ تعالى.

إنَّ السعادةَ الحقيقيةَ تكمنُ في التوازنِ العاطفيِّ؛ فلا يطغيك فرحٌ فتنسى المنعِمَ، ولا يكسرُك حزنٌ فتنسى الرحيمَ، ولا يقودُك الغضبُ إلى الظلمِ، ولا يجرفُك الحبُّ إلى المعصيةِ. فالمؤمنُ يملكُ مشاعرَه، ولا تملكُه مشاعرُه، ويجعلُ قلبَه معلَّقًا باللهِ تعالى في جميعِ أحوالِه، فيحيا مطمئنَّ النفسِ، ثابتَ الجنانِ، هادئَ الروحِ، وتلك نعمةٌ لا تُشترى بمالٍ، ولا تُنالُ بمنصبٍ، وإنما هي فضلٌ من اللهِ تعالى يؤتيه من يشاء.

تأملات (221–230)

221. الثقةُ باللهِ تعالى تمنحُك الأملَ عند انسدادِ الأبوابِ؛ فإذا أُغلِقَ بابٌ في وجهِك، فأيقِنْ أنَّ اللهَ تعالى يدَّخرُ لك ما هو أصلحُ وأوسعُ، وأنَّ تأخيرَ العطاءِ قد يكونُ عينَ العطاءِ.

222. الهدوءُ النفسيُّ يُحسِّنُ مهاراتِ إدارةِ الأزماتِ الأسريةِ؛ فبالهدوءِ تذوبُ الخلافاتُ، وبالحكمةِ تُعالَجُ المشكلاتُ، وبالسكينةِ تُبنى البيوتُ على المودَّةِ والرحمةِ.

223. الرضا بقضاءِ اللهِ تعالى يمنحُك القدرةَ على تقبُّلِ تغيُّرِ المكانةِ الاجتماعيةِ؛ فالدنيا ظلٌّ زائلٌ، والكرامةُ الحقيقيةُ في طاعةِ اللهِ تعالى، لا في ألقابِ الناسِ ولا في ثنائِهم.

224. السكينةُ القلبيةُ ثمرةٌ من ثمارِ تركِ التكلُّفِ في الضيافةِ؛ فالبساطةُ راحةٌ، والتكلُّفُ مشقَّةٌ، وخيرُ الأمورِ أوسطُها، وأحبُّ المجالسِ ما سادته الألفةُ وخلا من التكلُّفِ.

225. القربُ من اللهِ تعالى يمنحُك نورَ البصيرةِ؛ فترى الحقَّ حقًّا، والباطلَ باطلًا، ولا تنخدعُ ببريقِ المظاهرِ؛ لأنَّ نورَ الإيمانِ يكشفُ حقائقَ الأمورِ.

226. صفاءُ القلبِ مع اللهِ تعالى يورثُ التوفيقَ في تربيةِ الأجيالِ؛ فالقدوةُ الصالحةُ أبلغُ أثرًا من آلافِ الكلماتِ، وما خرجَ من القلبِ بلغَ القلوبَ.

227. الامتنانُ للهِ تعالى يحفظُ الروحَ من عمى النِّعمِ؛ فالشاكرُ يستشعرُ فضلَ اللهِ تعالى في كلِّ حينٍ، وتتجدَّدُ في قلبِه معاني الرضا والقناعةِ مع كلِّ نعمةٍ.

228. الوعيُ باللهِ تعالى يُطهِّرُ القلبَ من الحقدِ والضغينةِ؛ فالمؤمنُ يحملُ قلبًا سليمًا، يعفو عمَّن ظلمَه، ويصفحُ عمَّن أساءَ إليه، ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ تعالى، فيعيشُ سعيدًا مطمئنَّ النفسِ.

229. السعادةُ الحقيقيةُ تكمنُ في الاعتكافِ بالقلبِ؛ أن تكونَ بين الناسِ بجسدِك، بينما يبقى قلبُك معلَّقًا باللهِ تعالى، يأنسُ بذكرِه، ويستمدُّ منه السكينةَ والقوةَ.

230. كلُّ بلاءٍ يقدِّرُه اللهُ تعالى هو تطهيرٌ للقلبِ ورفعةٌ للدرجاتِ؛ فالابتلاءُ يمحو الخطايا، ويُزكِّي النفوسَ، ويُهيِّئُ القلوبَ للقاءِ اللهِ تعالى وهي أكثرُ صفاءً وإقبالًا عليه.

الخاتمة:

إنَّ ذكاءَ العاطفةِ في ميزانِ الإيمانِ ليس مهارةً نفسيةً فحسب، بل هو عبادةٌ قلبيةٌ تُهذِّبُ المشاعرَ، وتُزكِّي النفوسَ، وتُثمرُ حسنَ الظنِّ باللهِ تعالى، والصبرَ عند البلاءِ، والشكرَ عند الرخاءِ، والعفوَ عند المقدرةِ، والرضا في جميعِ الأحوالِ. فكلما ازدادَ القلبُ صلةً بربِّه، ازدادتْ مشاعرُه صفاءً، واستقامتْ انفعالاتُه، وأصبحَ أكثرَ قدرةً على مواجهةِ تقلُّباتِ الحياةِ بثباتٍ وطمأنينةٍ ويقينٍ.

فاجعلْ قلبَك عامرًا بذكرِ اللهِ تعالى، واجعلْ عواطفَك منقادةً لهديِ القرآنِ الكريمِ والسنةِ النبويةِ المطهرةِ، ولا تجعلْها أسيرةً للأهواءِ والانفعالاتِ العابرةِ؛ فإنَّ من أصلحَ سريرتَه أصلحَ اللهُ علانيتَه، ومن زكَّى قلبَه بالإيمانِ رزقَه اللهُ سعادةً لا تزولُ، وسكينةً لا تُكدِّرُها أحداثُ الدنيا، وفوزًا عظيمًا في الآخرةِ.

نسألُ اللهَ تعالى أن يرزقَنا قلوبًا سليمةً، ونفوسًا مطمئنةً، وعواطفَ صادقةً، وأن يجعلَنا من أهلِ الإيمانِ واليقينِ والإحسانِ، وأن يفيضَ علينا من واسعِ فضلِه ورحمتِه، ويختمَ لنا بالحسنى، ويجمعَنا ووالدينا وأهلَنا وأحبتَنا في الفردوسِ الأعلى من الجنةِ، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.

وصلى اللهُ وسلمَ وباركَ على نبينا محمدٍ، وعلى آلهِ وصحبِه أجمعين.

نراكم، بإذنِ اللهِ تعالى، في المقالِ القادم، يومَ الإثنين، مع محطةٍ جديدةٍ من سلسلة «حياتك السعيدة». نسألُ اللهَ تعالى أن ينفعَ بها، وأن يجعلَها خالصةً لوجهِه الكريمِ، وأن يكتبَ لها القبولَ والانتفاعَ في الدنيا والآخرةِ.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

حين يمضي الصراط المستقيم وحده

  «مَادُمْتَ تَمْشِي مُسْتَقِيمًا، فَلَا تُبَالِ بِالْعُقُولِ الْمَائِلَةِ.» فهذا هو معنى الثبات والتعالي عن العقول المائلة ​في رحلة الحياة الممتدة، بين منعرجات الطرق ومفترقات الأفكار، يواجه الإنسان الكثير من الأصوات والمواقف. وحدها البوصلة الداخلية الواضحة هي التي تقود السائر نحو غايته، غير آبه بما يدور في الهامش. إن العبارة المكثفة التي انطلقت منها هذه التأتأة الفكرية تختزل فلسفة حياة بأكملها: «مَادُمْتَ تَمْشِي مُسْتَقِيمًا، فَلَا تُبَالِ بِالْعُقُولِ…

في مكة المكرمة.. ضيافةٌ كشفية تجسّد قيم الكرم والأخوّة

  بقلم الرائدة /  نورية علي شيباني في رحاب مكة المكرمة، حيث تسمو الأرواح وتصفو القلوب، كان لنا موعدٌ استثنائي مع الكرم الأصيل، حين شرّفنا القائد عثمان خليفة مدني ” المشرف العام على فريق كشافة شباب مكة” باستضافتنا في بيته العامر، فكان اللقاء لوحةً من الوفاء، ومشهدًا نابضًا بالأخوّة الكشفية، تجلّت فيه معاني حسن الوفادة، وكرم الضيافة، وصدق المحبة. ولم يكن الاستقبال عابرًا، بل جاء في…

لقد فاتك ذلك

أبو عصيدة يكرم محمدعبده تقديرًا لعطائه التربوي والمجتمعي والتعليمي 

أبو عصيدة يكرم محمدعبده تقديرًا لعطائه التربوي والمجتمعي والتعليمي 

جمعية حماية الأسرة تشارك في ملتقى “الفجوة الرقمية بين الأجيال” بصلالة

جمعية حماية الأسرة تشارك في ملتقى “الفجوة الرقمية بين الأجيال” بصلالة

اختتام مسابقة ستارت سمارت في نسختها التاسعة بإعلان الفائزين من 1,000 متقدم

اختتام مسابقة ستارت سمارت في نسختها التاسعة بإعلان الفائزين من 1,000 متقدم

قصة ناب سية (نابلسية)

قصة ناب سية (نابلسية)

الباحة تتوج بـ4 شهادات دولية في مؤشرات المدن وجودة الحياة

الباحة تتوج بـ4 شهادات دولية في مؤشرات المدن وجودة الحياة

مؤسسة بينالي الدرعية تطلق أجندة ثقافية متكاملة في حيّ جاكس ابتداءً من سبتمبر 2026

مؤسسة بينالي الدرعية تطلق أجندة ثقافية متكاملة في حيّ جاكس ابتداءً من سبتمبر 2026

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode