بين فيض الإلهام وجدب القلم عندما يُصاب القلم بالجفاف وتهاجر غيوم الكلمة

 

بقلم: أحمد علي بكري

يصل بالإنسان لحظات غرور يضن فيها بان ابداعه بات نهراً دائم الجريان، و انه بلاغته و بيناه بات شجرةً تؤتي أكلها كل حين دون انقطاع، بل هما كالفصول؛ لهما ربيعٌ تزهر فيه المعاني، وخريفٌ تتساقط فيه الأوراق، وصيفٌ يشتد فيه القيظ حتى يتشقق تراب الخيال، وشتاءٌ تهطل فيه الكلمات كما تهطل الأمطار على الأرض الميتة فتبعث فيها الحياة. ولعل أشد ما يرهق الكاتب أن يدرك أن الفكرة تسكنه، لكنه يعجز عن الإمساك بها، وأن المعنى يحوم حوله كما تحوم السحابة فوق الأرض العطشى، لكنها تأبى أن تمطر.

ثمة صباحات أستيقظ فيها، فإذا الأفكار قد سبقتني إلى اليقظة، تتدافع في ذهني كالسيل المنهمر، وتتزاحم على أبواب الذاكرة حتى لا أكاد أملك إلا أن أفتح لها منفذاً إلى الورق. عندئذٍ يصبح القلم مجرد وسيط، وتغدو الأصابع جسراً تعبر فوقه الكلمات، فتنساب الجمل رقراقةً عذبة، حتى يخيل إليّ أن الحبر لم يعد يُكتب، بل يتدفق من تلقاء نفسه، وأن الصفحات تكاد تضيق بما احتشد فيها من الصور والمعاني.

غير أن للإبداع وجهاً آخر أكثر قسوة، وجهاً لا يعرفه إلا من عاشره طويلاً. ففي بعض الأيام تُصاب الروح بقحطٍ لا يُفسَّر، وتجف ينابيع التعبير حتى وإن بقيت خزائن الفكر عامرة. تجلس أمام الصفحة البيضاء، فلا ترى فيها إلا بياضاً يزداد اتساعاً كلما طال النظر إليه، وكأنها صحراء مترامية الأطراف، لا معلم فيها يهديك إلى أول الطريق. عندها لا يعود الكاتب باحثاً عن فكرة، بل يصبح كفلاحٍ يتطلع إلى السماء مترقباً غيمةً رحيمة، أو كبحّارٍ ينتظر نسمةً واحدة تحرك شراع سفينته الساكنة.

وما أعجب العقل الإنساني! فهو أشبه بسماءٍ مكتظة بالرطوبة، حبلى بالغيوم، مهيأة لكل أسباب المطر، لكنها تمتنع عن الهطول، وكأن قانوناً خفياً يعطل دورة الغيث. تعلم يقيناً أن داخلك عالماً كاملاً من القصص، والتجارب، والتأملات، والأسئلة، وأن بين جنبات روحك آلاف المقالات التي لم تُكتب بعد، لكنك، مع ذلك، تعجز عن انتزاع الجملة الأولى، وتبقى البداية عصيةً، كالباب الذي يعرف صاحبه أن مفتاحه في جيبه، لكنه لا يهتدي إليه.

واليوم كان واحداً من تلك الأيام التي يسميها المبدعون مواسم الجدب، وتسمّيها الروح أيامها العجاف.

جلست أمام لوحة المفاتيح قبل أن ينسل أول خيط من الفجر، حين كان الكون غارقاً في سكينته الأولى، وكانت الأرواح أقرب ما تكون إلى صفائها. أديت صلاة الفجر، وعدت إلى مقعدي وفي داخلي يقينٌ بأن الكلمات ستأتي كما اعتادت أن تأتي، غير أن الساعات أخذت تمضي ببطءٍ مهيب، والدقائق تتساقط واحدةً إثر أخرى، بينما بقيت الصفحة كما هي؛ بيضاء، صامتة، عصية على البوح. ولم أشعر إلا والشمس قد بلغت كبد السماء، وأنا ما زلت أراوح مكاني، كمن ينتظر موعداً تأخر كثيراً.

خلال تلك الساعات الطويلة، خضعت لكل طقوس الكتابة التي عرفها الأدباء، بل وكدت أستعير شيئاً من أساطيرهم. تذكرت شعراء العرب الأوائل الذين كانوا يزعمون أن لكل شاعرٍ قريناً من الجن يُلقي إليه الشعر، فإذا جف شعره قالوا: لقد هجره شيطانه، أو تأخر عنه قرينه. فابتسمت في سري، وكأنني أنا أيضاً أترقب قدوم ذلك القرين الأسطوري، لا ليكتب عني، بل ليدلني على أول كلمة، فالكلمة الأولى هي أصعب الكلمات جميعاً؛ منها يولد النص، ومنها يبدأ السفر الطويل.

غير أن الحقيقة التي تعلمتها بعد أعوامٍ من مصاحبة القلم، أن الإبداع لا يُقاس بعدد النصوص التي نكتبها في لحظات الصفاء، وإنما يُقاس بقدرتنا على مقاومة الصمت في لحظات الجفاف. فالكاتب الحق ليس من يكتب حين يفيض الإلهام، وإنما من يجلس أمام الفراغ متحدياً، ويحاور الصمت حتى ينتزع منه حرفاً، ثم كلمة، ثم سطراً، حتى تتحول الصحراء شيئاً فشيئاً إلى بستان.

ولعل الكتابة، في جوهرها، ليست استعراضاً للبلاغة، ولا سباقاً في زخرفة الألفاظ، بل هي مرآةٌ صادقة تكشف هشاشة الإنسان قبل أن تكشف قدرته. إنها تعلمنا أن العقل، مهما اتسع، يظل عاجزاً أمام سر الإلهام، وأن البيان، مهما بلغ صاحبه من الفصاحة، يبقى هبةً لا تُؤخذ قهراً، ولا تُستدعى كلما شئنا، وإنما تزور من يصبر عليها، وتؤنس من يلازم بابها.

ولذلك، فإنني اليوم لم أكتب عن فكرةٍ عظيمة، ولا عن حدثٍ جلل، ولا عن قضيةٍ تشغل الناس، بل كتبت عن ذلك الصمت الذي يسبق الكلام، وعن الجفاف الذي يسبق المطر، وعن تلك المعركة الخفية التي يخوضها كل كاتب بينه وبين الصفحة البيضاء. ولعل أعظم الانتصارات الأدبية ليست أن تكتب نصاً يصفق له الناس، وإنما أن تهزم ذلك البياض الموحش، وأن تثبت لنفسك أن الحرف، وإن تأخر، لا يخون صاحبه، وأن الغيم، مهما طال احتباسه، لا بد أن ينهمر ذات يوم، فيغسل أرض الروح، ويعيد إلى القلم نبضه، وإلى الكلمات حياتها.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

حُرّاس المجد.. وصُنّاع الأمل

    بقلم / أميرة مشاري ـ جازان   خلف كل جنديٍّ حكاية إنسان؛ أمٌّ تودّعه بالدعاء، وأبٌ يخبّئ فخره في نظرة، وزوجةٌ تتقاسم معه مشقة الغياب، وطفلٌ ينتظر عودته ليحكي له تفاصيل يومه. يعرف الجندي قيمة تلك اللحظات التي تفوته، ويحمل شوقه إلى أحبته وهو يؤدي واجبه؛ فكل بيتٍ يحميه يشبه بيته، وكل طفلٍ ينام آمنًا يذكّره بمن ينتظرونه. ومن هنا تتجلّى عظمة التضحية؛ في…

حين تكتشف أن الزمن سرق منك حياةً كنت تظنها حياتك

  بقلم أحمد علي بكري ليست أكثر الحقائق إيلامًا تلك التي تأتي على هيئة صدمة مفاجئة، بل تلك التي تتسلل إلى أعماقنا بهدوء، ثم تستقر في أرواحنا كأنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتكشف لنا ما عجزنا عن رؤيته طوال سنوات. ومن بين هذه الحقائق أن يستيقظ الإنسان ذات يوم، فيتأمل ماضيه كأنه يتأمل حياة شخص آخر، فيرى في ذكرياته ملامح إنسان كانه هو، لكنه لم يعد…

لقد فاتك ذلك

شارك فريق همة طويق التطوعي بالتعاون مع صحيفة صدى نيوز دار رعاية المسنين احتفالية اليوم الوطني السعودي الـ96

شارك فريق همة طويق التطوعي بالتعاون مع صحيفة صدى نيوز دار رعاية المسنين احتفالية اليوم الوطني السعودي الـ96

القادسية ينفذ مبادرة «أكتوبر الوردي» للتوعية بسرطان الثدي ودعم الكشف المبكر

القادسية ينفذ مبادرة «أكتوبر الوردي» للتوعية بسرطان الثدي ودعم الكشف المبكر

«سيلا 2026» يفتح آفاق المعرفة تحت شعار «الغد بين دفتي كتاب» و المملكة العربية السعودية ضيف شرف

«سيلا 2026» يفتح آفاق المعرفة تحت شعار «الغد بين دفتي كتاب» و المملكة العربية السعودية ضيف شرف

المدينة الصحية بصامطة تنفذ مبادرة «دربك وردي» للتوعية بسرطان الثدي

المدينة الصحية بصامطة تنفذ مبادرة «دربك وردي» للتوعية بسرطان الثدي

أمير منطقة الرياض يسلّم الدفعة الأولى من الأراضي لمستفيدي برنامج التوازن العقاري

أمير منطقة الرياض يسلّم الدفعة الأولى من الأراضي لمستفيدي برنامج التوازن العقاري

جمعية خبراء السياحة توقّع شراكة تعاونية مع مطعم «سينييز» بمكة المكرمة

جمعية خبراء السياحة توقّع شراكة تعاونية مع مطعم «سينييز» بمكة المكرمة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode