بين رؤية المربي ورؤية المتربي… كيف نفهم أبناءنا قبل أن نوجههم؟

ةبقلم د / معدي حسين علي آل حيه 

بحكم عملي موجهًا طلابيًا قرابة 29 عامًا، اخترت لكم الكتابة في موضوع يهم الآباء والمربين، مستفيدًا من مادة تربوية منشورة في أحد المواقع المتخصصة في التربية؛ لما لهذا الموضوع من أثر كبير في نجاح العملية التربوية وبناء شخصية الأبناء والطلاب.

تُعد العلاقة بين المربي والمتربي من أهم العلاقات التي تقوم عليها صناعة الإنسان، فالتربية ليست مجرد نقل معلومات أو تقديم توجيهات، بل هي فهم عميق للنفس البشرية، وإدراك للفروق في طريقة التفكير والنظر إلى المواقف.

ومن أعظم ما يعين المربي على أداء رسالته أن يدرك أن بينه وبين المتربي اختلافًا في زاوية النظر، وطريقة التفكير، وترتيب الأولويات، واتساع الخبرة، وليس الأمر مرتبطًا فقط بفارق العمر أو كثرة المعلومات.

فالمربي الناجح لا يبدأ بتوجيه المتربي قبل أن يفهمه، لأن التربية الحقيقية تبدأ من معرفة الإنسان الذي نريد التأثير فيه، وقد كان النبي ﷺ من أعظم النماذج في ذلك؛ حيث كان يخاطب الناس على قدر عقولهم وأحوالهم، ويجمع بين الحكمة والرفق والتدرج.

المربي ينظر إلى المستقبل… والمتربي يعيش الحاضر

قد يرى الطالب بعض المواقف صعبة أو محرجة؛ كإلقاء كلمة أمام زملائه أو تحمل مسؤولية معينة، بينما ينظر المربي إلى ما وراء اللحظة، ويرى أن هذه التجربة قد تكون خطوة لبناء الثقة والشخصية القيادية.

كما أن المتربي غالبًا ينظر إلى المشكلة من زاويتها القريبة، بينما يحاول المربي رؤية الصورة الكاملة والبحث عن الأسباب العميقة خلف السلوك، فلا يكتفي بعلاج الظاهر، بل يسعى لمعرفة الجذور.

المربي يبني الإنسان لا الموقف فقط

ينشغل المتربي بما يعيشه في اللحظة، أما المربي فيسأل دائمًا: ماذا سيصنع هذا الموقف في شخصية الطالب مستقبلًا؟

ولهذا قد يطلب المربي من الطالب أمرًا يحتاج إلى جهد وصبر، ليس رغبة في تعنيفه أو إرهاقه، وإنما لأنه يرى أثر ذلك في بناء شخصيته وتنمية قدراته.

كما أن المربي يرى الإمكانات الكامنة في المتربي، فقد يرى في الطالب الخجول مشروع قائد، وفي الطالب الضعيف بداية نجاح، إذا وجد التوجيه والرعاية المناسبة.

المربي يقرأ ما وراء السلوك

من الأخطاء الشائعة أن نحكم على الأبناء والطلاب من خلال تصرفاتهم الظاهرة فقط؛ فضعف التركيز، أو كثرة الحركة، أو سرعة الغضب، قد تكون خلفها أسباب تحتاج إلى فهم ومعالجة.

ولهذا فإن المربي الواعي يبدأ بالتشخيص قبل الحكم، وبالفهم قبل إصدار القرار، لأن كل سلوك له دافع أو سبب قد لا يظهر للعين مباشرة.

التربية بناء طويل وليست نتائج سريعة

قد يستعجل المتربي النتائج، ويريد التغيير في وقت قصير، بينما يدرك المربي أن بناء الإنسان يحتاج إلى وقت وصبر وتدرج.

فالشخصيات لا تُبنى بالمواقف العابرة فقط، وإنما بالعادات اليومية الصغيرة؛ بالانضباط، وتحمل المسؤولية، والالتزام، وتكرار التوجيه بأسلوب حكيم.

كما أن المربي الناجح لا يرى الخطأ نهاية الطريق، بل يحوله إلى فرصة للتعلم، فيجعل من التقصير بداية للإصلاح، ومن الإخفاق تجربة تفتح باب التطوير.

نجاح التربية ليس في كثرة الإنجاز فقط

قد يفرح المتربي بالنتيجة السريعة أو الإنجاز الظاهر، بينما ينظر المربي إلى ما هو أعمق؛ إلى نمو الشخصية، وصدق التعامل، وتحمل المسؤولية، والأمانة، والتواضع.

فالمقصود من التربية ليس فقط زيادة المعلومات، وإنما صناعة إنسان متوازن قادر على التعامل مع الحياة بقيمه ومبادئه.

وفي الختام، فإن نجاح المربي لا يكون فقط في أن يقدم النصيحة، بل في أن يعرف كيف يقدمها، ومتى يقدمها، ولمن يقدمها؛ فكلما اقترب المربي من فهم عالم المتربي، كان أكثر قدرة على التأثير فيه وبناء شخصيته.

فالتربية الناجحة تبدأ حين يرى المربي الإنسان قبل أن يرى الخطأ، ويرى المستقبل قبل أن يحكم على الحاضر.

صدي نيوز اس 6

Related Posts

نافـــــذة أمــــــــــــــــــــــل

✍🏻 مزنة البلوشيــــــــــــــــة في قريةٍ أنهكها الجفاف، عاش رجلٌ أطفأت الأيام في عينيه آخرَ مصباح، حتى غدا يمشي بين الناس كأن على قلبه غيمةً لا تمطر. وفي ليلةٍ عاصفة، جلس وحيدًا خلف نافذةٍ صغيرة، يحدّق في السماء السوداء، وقال بحسرة: «لعلّ الفجر نسي طريقه إلينا». وبينما كان اليأس ينسج خيوطه حول قلبه، لمح من بعيد ضوءًا ضعيفًا يتسلّل بين الغيوم؛ كان كشمعةٍ صغيرة تشقّ عباءة الظلام.…

ساعي البريد أم صانع المحتوى؟

  نحو صحافة أصيلة تعزز مهنية المؤسسة الإعلامية. بقلم أ. غميص الظهيري. رؤساء التحرير، الزملاء والزميلات المحررين الكرام، من خلال المتابعة المستمرة لمسيرة لصحفنا وحرصاً على تطورها وتميزها، يُؤسفني أن ألحظ أن البعض من زملائنا وزميلاتنا تحولوا في أدائهم المهني إلى ما يشبه “ساعي البريد”؛ إذ يكتفون بترصد الأخبار المنشورة في المواقع الأخرى ونقلها، بدلاً من ممارسة الدور الحقيقي للمحرر الصحفي. إن هذا النهج لا يتنافى…

لقد فاتك ذلك

برعاية نائب أمير الدفعة الثانية من الوحدات السكنية لمستفيدي جمعية الجود بمكة

برعاية نائب أمير الدفعة الثانية من الوحدات السكنية لمستفيدي جمعية الجود بمكة

المركز التخصصي للطب النفسي بجازان ينظم فعالية بمناسبة اليوم العالمي للتأتأة

المركز التخصصي للطب النفسي بجازان ينظم فعالية بمناسبة اليوم العالمي للتأتأة

د. عواجي النعمي يرعى مبادرة “عين تصنع الأثر” لمنسوبي صحة جازان..

د. عواجي النعمي يرعى مبادرة “عين تصنع الأثر” لمنسوبي صحة جازان..

الاتحاد العالمي الإسلامي للكشافة والشباب يهنئ د.غنيم لحصوله على قلادة الكشاف العربي

الاتحاد العالمي الإسلامي للكشافة والشباب يهنئ د.غنيم لحصوله على قلادة الكشاف العربي

بيئة العرضيات ينفذ مبادرة للتعريف بخدمات الوزارة الإلكترونية

بيئة العرضيات ينفذ مبادرة للتعريف بخدمات الوزارة الإلكترونية

أمير الرياض يدشّن برنامج البناء العقدي في مساجد وجوامع المنطقة

أمير الرياض يدشّن برنامج البناء العقدي في مساجد وجوامع المنطقة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode