أينما يجلس نابليون… فهو صدر المجلس

بقلم /فوزية الوثلان

يُروى عن نابليون قولٌ مفاده: «أينما يجلس نابليون فهو صدر المجلس». وسواء صحّت نسبة هذه العبارة إليه أم لم تصح، فإن معناها يستحق أن نتأمله.

نقضي جزءًا كبيرًا من حياتنا نبحث عن المقاعد الأولى، بينما الحقيقة أن الحياة تبحث عن الأشخاص الذين يستحقونها.

ليس المهم أن تجلس في صدر المجلس، بل أن تكون أهلًا له. وليس المهم أن تُرى، بل أن يكون لحضورك قيمة، ولكلمتك وزن، ولعملك أثر.

كم من إنسان جلس في الصف الأول، ولم يلتفت إليه أحد بعد انتهاء اللقاء، وكم من آخر جلس في الصف الرابع أو الأخير، لكنه غادر وقد ترك في القلوب فكرة، وفي العقول أثرًا، وفي النفوس احترامًا.

إن الإنسان هو من يمنح المكان قيمته، وليس المكان هو من يمنح الإنسان قيمته.

لذلك لا أجد حرجًا أن أجلس في الصف الثاني أو الرابع أو الأخير، ما دمت أعرف من أكون. فقيمتي لا يحددها رقم المقعد، ولا ترتيب الصفوف، ولا عدسات المصورين، وإنما يحددها ما أحمله من علم، وما أقدمه من نفع، وما أتركه من أثر.

أما إذا كان وجودي في مكان ينتقص من كرامتي، أو يسيء إلى نفسي، أو لا ينسجم مع مبادئي، فحينها تكون المغادرة احترامًا للنفس، لا هروبًا من الواقع. هناك فرق كبير بين أن تغادر لأنك لم تحصل على مقعد في المقدمة، وبين أن تغادر لأن المكان لم يكن بمستوى أخلاقك وقيمك.

فسمو النفس لا يعني التعالي على الناس، بل يعني ألا تربط قيمتك برأي الآخرين، ولا بمكان جلوسك، ولا بما يُخصص لك من مقاعد. فالإنسان الواثق بنفسه يحمل احترامه معه أينما ذهب، ولا ينتظر أن يمنحه الآخرون هذا الاحترام.

ولنا في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه درس خالد في عزة النفس والتواضع. فقد قام بنفسه ليخدم ضيفه ويشعل له السراج، فلما عاد قال: «قمت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر.» إنها كلمات تختصر معنى الثقة الحقيقية؛ فالأعمال العظيمة لا تنقص من قدر أصحابها، بل تزيدهم رفعة، لأن قيمتهم مستقرة في نفوسهم، لا تستمد مكانتها من المظاهر.

إن أعظم ما يصل إليه الإنسان أن يعرف نفسه حق المعرفة، فلا يرفعه تصفيق، ولا يكسره تجاهل، ولا يغره مقعد، ولا يؤلمه صف متأخر. لأنه يدرك أن الكبار لا تُصنع أقدارهم بالمقاعد، وإنما تصنعها المواقف، والأخلاق، والإتقان، وحسن الأثر.

وقد تعلمت من الحياة أن الإنسان إذا عرف قدر نفسه، ارتاح من منافسة لا تستحق، ومن مقارنة لا تنتهي، وأصبح يسعى ليكون أفضل مما كان عليه بالأمس، لا أفضل من غيره.

فلا تنشغل أين تجلس… بل انشغل بما ستضيفه وأنت جالس.

لأنك إذا صنعت قيمتك، أصبح أي مكان تجلس فيه هو صدر المجلس، وإذا افتقدت القيمة، فلن يصنع لك صدر المجلس مكانة.

فالناس قد تنسى أين جلست، لكنها لا تنسى الأثر الذي تركته في نفوسهم .

صدى نيوز اس 1

Related Posts

إسماعيل عليه السلام.. نبيُّ الصبر والوفاء والطاعة

بقلم: الدكتور معدي حسين علي آل حية تتجلى في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دروس عظيمة في الإيمان والصبر والطاعة والتوكل على الله، ومن تلك القصص المباركة قصة نبي الله إسماعيل عليه السلام، الذي ضرب أروع الأمثلة في الصبر والوفاء بالوعد والاستجابة لأمر الله تعالى، فكانت سيرته نموذجًا خالدًا في الثبات على الحق وحسن التوكل على الله. نسبٌ كريم ونشأةٌ مباركة إسماعيل عليه السلام هو ابن…

كسر جذوره وقدم رواءه

دكتور حسن الأمير نقف في منتصف المسافة بين المقصلة والوعاء نرقب بأعين مذهولة يدًا تمسك بالفأس في يمينها وتبسط بيسارها جدولًا من ماء…….. إنه الفصام الوجودي في أبشع تجلياته أن يبتر المرء الأصل ثم يطالب الثمر بأن ينضج وأن يجتث العرق المغذي ثم يتساءل في دهشة مصطنعة عن سر الجفاف……… هذا العالم لا يعاني من شح الينابيع بل يعاني من لوثة الفؤوس التي تضرب في عمق…

لقد فاتك ذلك

إسماعيل عليه السلام.. نبيُّ الصبر والوفاء والطاعة

إسماعيل عليه السلام.. نبيُّ الصبر والوفاء والطاعة

كسر جذوره وقدم رواءه

كسر جذوره  وقدم رواءه

تأصيل الهوية الوطنية.. مشروع دولة لصناعة الجيل القادم

تأصيل الهوية الوطنية.. مشروع دولة لصناعة الجيل القادم

برنامج الربط الجوي يختتم مشاركته في «مسارات العالم 2026» بفرانكفورت بأكثر من 65 اجتماعًا

برنامج الربط الجوي يختتم مشاركته في «مسارات العالم 2026» بفرانكفورت بأكثر من 65 اجتماعًا

تأصيل الهوية الوطنية.. مشروع دولة لصناعة الجيل القادم

تأصيل الهوية الوطنية.. مشروع دولة لصناعة الجيل القادم

الأغر يتغلب على بجيلة بهدفين مقابل هدف.. والعثيمين يشيد بجهود الفريق

الأغر يتغلب على بجيلة بهدفين مقابل هدف.. والعثيمين يشيد بجهود الفريق

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode