حين تتعارف الأرواح ويخلد الأثر

 

بقلم: أحمد علي بكري

ليست الحياة في حقيقتها عددًا من السنين يُضاف إلى العمر، ولا هي ما يجمعه الإنسان من مال أو جاه أو شهرة، وإنما هي قصة يكتبها المرء في قلوب الناس قبل أن يكتبها في صفحات الزمن. فكم من إنسان عاش عقودًا طويلة ثم انطفأ ذكره مع أول حفنة تراب أُهيلت على قبره، وكم من آخر لم يطل به العمر، ولكنه ترك من النور ما جعله حيًا في الدعوات، مقيمًا في الذاكرة، حاضرًا في الضمائر، وكأن الموت لم يستطع أن يقطع أثره. ولعل أعظم ما ينبغي للإنسان أن يدركه في رحلته القصيرة على هذه الأرض أن الله لم يخلقنا لنتنافس في كثرة ما نأخذ، بل في عظمة ما نعطي، ولم يجعل قيمة الإنسان فيما يملك، وإنما فيما يتركه خلفه من خير، لأن الأشياء كلها إلى فناء، أما الأثر الصالح فإنه يكتب لصاحبه حياةً أخرى لا تنتهي بانتهاء الجسد. ومن أعجب أسرار الوجود أن الإنسان قد يقضي سنوات طويلة بين الناس، يسمع أصواتهم، ويصافح أيديهم، ويشاركهم تفاصيل الحياة، ثم لا يجد بينهم من يشعر أنه ينتمي إليه حقًا، بينما قد يلتقي روحًا واحدة في لحظة من الزمن، فيشعر أنها تعرفه منذ أعوام، وتفهمه قبل أن يتكلم، وتقرأ صمته كما يقرأ الآخرون كلماته. وذلك لأن الله سبحانه وتعالى لم يجعل التعارف الحقيقي بين البشر قائمًا على الألسنة، وإنما جعله قائمًا على الأرواح، فاللسان قد يجيد التمثيل، والوجه قد يحسن ارتداء الأقنعة، والكلمات قد تخفي أكثر مما تُظهر، أما الروح فلا تعرف الزيف، لأنها مرآة الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فإذا التقت روحان يجمعهما الصدق والنقاء والرحمة، نشأت بينهما ألفة لا يستطيع العقل تفسيرها، وإذا تنافرت الأرواح لم تستطع آلاف الكلمات أن تبني بينهما جسرًا من المودة. ومن هنا كان من أجمل نعم الله على الإنسان أن يرزقه شخصًا يقرؤه دون حروف، ويفهمه دون كلام، ويدرك انكساره قبل أن يراه في عينيه، ويشعر بتعبه قبل أن يشكو، ويرعاه دون أن ينتظر شكرًا أو جزاءً. إن مثل هؤلاء لا يقاس وجودهم بعدد الأيام التي قضوها معنا، وإنما بالسكينة التي يتركونها في قلوبنا، فهم يشبهون المطر الذي لا يطلب من الأرض ثناءً، وإنما يهطل لأنه يحمل في طبيعته معنى الحياة. وما أندرهم في زمن كثرت فيه العلاقات وقلّت فيه المودة، وكثرت فيه الكلمات حتى فقدت معناها، وأصبح الناس يسمعون بعضهم بعضًا، ولكن قليلًا منهم من يُحسن الإصغاء، ويرى ما وراء الحروف، ويفهم ما وراء الصمت. ولعل من أعمق الحقائق التي تستوقف المتأمل أن البشر جميعًا خُلقوا من أصل واحد، ومن طينة واحدة، كما قال الله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالةٍ من طين﴾، فلا أحد يملك في أصل خلقته فضلًا على أحد، ولا يختلف الناس في المادة التي خُلقوا منها، ولكنهم يختلفون فيما حملته قلوبهم، وما زكّته أرواحهم، وما ربّته نفوسهم. فالطين واحد، ولكن الأرواح تختلف كما تختلف الأرض التي ينزل عليها المطر؛ فمنها أرضٌ طيبة إذا أصابها الغيث أزهرت وأنبتت وأطعمت وأروت، ومنها أرضٌ سبخة لا يزيدها المطر إلا ركودًا، ومنها أرضٌ تمسك الماء لينتفع به غيرها. وكذلك القلوب، تستقبل نفحات الإيمان والرحمة والخلق الكريم، فيثمر بعضها حكمةً ورحمةً وسكينة، بينما يظل بعضها الآخر أسيرًا للحقد والكبر والأنانية، فلا يخرج منه إلا ما امتلأ به. ولهذا ترى أن بعض الناس، على الرغم من قلة علمه أو ماله أو مكانته، إذا دخل مجلسًا أضاءه بحسن خلقه، وإذا تحدث شعر السامعون أن في كلماته دفئًا يلامس القلوب، وإذا ابتسم أحس من حوله أن الحياة ما زالت تتسع للأمل. وعلى النقيض من ذلك، قد ترى إنسانًا بلغ من العلم ما بلغ، أو نال من الجاه ما نال، ولكنه يحمل روحًا مضطربة، فلا يترك خلفه إلا الضيق، ولا ينشر إلا القلق، وكأن وجوده يسرق من الأرواح صفاءها. ولذلك قيل بحق: إن بعض البشر داء، وبعضهم دواء، وليس ذلك لهيئة أو نسب أو مال، وإنما لما تحمله الروح من نور أو ظلمة، ورحمة أو قسوة، صفاء أو كدر. إن الإنسان لا ينسجم مع من يشبهه في الصفات بقدر ما ينسجم مع من يشبهه في الروح، فالصفات قد تتغير مع الأيام، والأمزجة تتبدل، والظروف تعيد تشكيل الطباع، أما الأرواح إذا تعارفت على الصدق بقيت متآلفة، وإن اختلفت الطباع، وإذا تناكرت على الباطل فلن يجمعها مكان، ولو تشابهت في كل شيء. ولهذا نجد أحيانًا شخصين مختلفين في الثقافة والعمر والبيئة، لكن بينهما مودة عجيبة، لأن الأرواح قد وجدت وطنها، ونجد آخرين يجمعهم البيت الواحد أو العمل الواحد أو الدم الواحد، ولكن بينهم مسافات لا تستطيع الأرض أن تقيسها، لأن البعد الحقيقي ليس بعد الأجساد، وإنما بعد القلوب. وإذا كانت الأرواح هي التي تبني العلاقات، فإن اللطف هو اللغة التي تحفظها. فما أحوج الدنيا اليوم إلى لطف الكلام، لا إلى فصاحته، وإلى رقة القلب، لا إلى كثرة الحجج، وإلى حسن الظن، لا إلى سرعة الاتهام. إن الكلمة الطيبة ليست حروفًا تُقال ثم تنتهي، بل قد تكون حياةً جديدة لقلبٍ أنهكه اليأس، وقد تكون يدًا تمتد إلى غريق أوشك أن يغرق في بحر أحزانه. ولطيف الكلام يخلق الثقة، ولطيف التفكير يحل أعقد الصعوبات، ولطيف العطاء يزرع المحبة في القلوب، لأن الناس لا يفتقرون إلى كثرة العقول بقدر ما يفتقرون إلى سعة الرحمة. ومن أرقى صور المحبة أن يصبح إنسان ما رفيق دعواتك، فتذكره كلما رفعت يديك إلى السماء، وتطلب له الخير كما تطلبه لنفسك، دون أن يعلم، ودون أن ينتظر منك شيئًا. فالدعاء في الخفاء هو أنقى صور الإخلاص، لأنه علاقة لا يراها إلا الله، ولا يعلم بها إلا الله، ولذلك كانت أعظم المحبة هي التي تتجرد من كل مصلحة، حتى تصبح أمنية القلب الأولى أن يفيض الله على من يحب من فضله ورحمته، ولو لم ينل الداعي من ذلك شيء من دنياه. ثم تمضي السنون مسرعة، فيكتشف الإنسان أن أكثر ما شغل نفسه به قد تركه وراء ظهره، وأن الأشياء التي قاتل لأجلها لم تستطع أن ترافقه إلى قبره، وأن الذي بقي له حقًا هو ما زرعه في القلوب من خير. فالبقاء ليس للأجساد، لأن الأجساد إلى تراب، وليس للأموال، لأنها إلى وارث، وليس للمناصب، لأنها إلى غير صاحبها، وإنما البقاء للأثر، ذلك النور الخفي الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين دون أن يشعر. غير أن الأثر ليس كله نورًا، كما أنه ليس كله ظلمة، فالإنسان هو الذي يختار بعمله أي ذكرٍ يريد أن يتركه بعد رحيله. فمن الناس من يخلد اسمه بطاعةٍ وعلمٍ نافع، أو معروفٍ أجراه بين العباد، أو رحمةٍ بثها في القلوب، فيظل الناس يذكرونه بالخير، ويدعون له كلما مر اسمه على ألسنتهم، وكأن موته لم يقطع إحسانه عن الدنيا. ومن الناس من يكتب اسمه بيده في سجل الخزي، فيصبح مثالًا يُضرب في الغدر والطغيان وسوء العاقبة، فلا يذكره الناس إلا مقرونًا باللعنة والازدراء. ولعل أبلغ شاهد على ذلك في التراث العربي أبو رِغال، الذي صار اسمه رمزًا للخيانة والدلالة على الباطل، حتى غدا مضربًا للأمثال بعد موته، فلم يخلده التاريخ بفضيلةٍ ترفع ذكره، وإنما خلد اسمه لأنه اختار أن يكون دليلًا إلى الشر، فكان بقاء اسمه عقوبةً لا كرامة، وخلودًا في الذم لا في الحمد. وهنا تتجلى الحقيقة الكبرى؛ فالخلود لا يعني حسن الذكر، وإنما يعني بقاء الذكر، والفرق بينهما كالفرق بين النور والظلام. فمن وفقه الله للعمل الصالح بقي اسمه في القلوب دعاءً ورحمةً، ومن باع ضميره للطغيان بقي اسمه عبرةً تتناقلها الأجيال، ليكون شاهدًا على أن الإنسان قد يخلد بأعماله الصالحة، كما قد يخلد بسوء منقلبه، وأن التاريخ لا ينسى أحدًا، ولكنه ينصف الجميع، فيعطي كل إنسان من الذكر بقدر ما أعطى للحياة من خير أو شر. إن الناس لا يحفظون ما أخذته منهم، وإنما يحفظون ما أعطيتهم. يحفظون بشاشة الوجه، وصدق الكلمة، ودفء الموقف، واليد التي امتدت إليهم في ساعة ضيق، والقلب الذي وسعهم حين ضاقت بهم الدنيا. وقد ينسون تفاصيل الأيام، لكنهم لا ينسون أثر المشاعر التي صنعتها في أرواحهم، لأن القلوب أوعية للمعاني قبل أن تكون خزائن للذكريات. فطوبى لمن جعل من قلبه موطنًا للرحمة، ومن لسانه سبيلًا للكلمة الطيبة، ومن عقله موئلًا للحكمة، ومن يديه بابًا للعطاء، ثم ارتحل وقد ترك وراءه نورًا يمشي بين الناس، لأن النور وحده هو الذي يعبر حدود الزمن، ويهزم الغياب، ويبقى شاهدًا لصاحبه يوم يقف بين يدي الله، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

إعلاميو جازان يجددون وقوفهم صفًا واحدًا خلف القيادة والوطن في ظل الظروف الراهنة ..

    جازان – المستشار الإعلامي /ياسين بن احمد القاسم   . أكد إعلاميو جازان وقوفهم صفًا واحدًا خلف القيادة الرشيدة ومساندتهم التامة للدولة في ظل الظروف الراهنة مجددين اعتزازهم بالانتماء إلى هذا الوطن الغالي، وولاءهم للقيادة، وحرصهم على أداء رسالتهم الإعلامية والوطنية بكل مسؤولية ووعي.   وشدد إعلاميو جازان على أن الإعلام الوطني شريك أساسي في تعزيز الوعي المجتمعي، وترسيخ قيم المواطنة، وتوحيد الصفوف، والإسهام في…

​سعوديو المنطلق والمسار.. شعب وقادة في خندق واحد

​بقلم: محمد باجعفر ​في عالمٍ يموج بالتغيرات والتحولات المتسارعة، وتتلاطم فيه أمواج التحديات والظروف الاقتصادية والجيوسياسية، تقف المملكة العربية السعودية كرمزٍ للثبات والمنعة، وكتلة واحدة لا تقبل التجزئة. ليست مجرد دولة على الخارطة، بل تجربة فريدة في التلاحم الوطني، تترجمها مقولة حية ترددها الأجيال: “نحن معاً يداً بيد.. قيادة وشعباً”. ​صف واحد.. وكلمة جامعة ​إن الوقوف صفاً واحداً مع الحكومة الرشيدة ليس مجرد شعار يُرفع في…

لقد فاتك ذلك

“بيئة رابغ ورنف الخضراء تبحثان تعزيز الشراكة البيئية والزراعية”

“بيئة رابغ ورنف الخضراء تبحثان تعزيز الشراكة البيئية والزراعية”

إعلاميو جازان يجددون وقوفهم صفًا واحدًا خلف القيادة والوطن في ظل الظروف الراهنة ..

إعلاميو جازان يجددون وقوفهم صفًا واحدًا خلف القيادة والوطن في ظل الظروف الراهنة ..

جمعية فتاة الأحساء تنظم لقاء «التخطيط المالي الشخصي» بمشاركة 45 مستفيدة

جمعية فتاة الأحساء تنظم لقاء «التخطيط المالي الشخصي» بمشاركة 45 مستفيدة

جمعية الدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات بمحافظة تثليث.. جهود دعوية متميزة

جمعية الدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات بمحافظة تثليث.. جهود دعوية متميزة

الجاهزية الميدانية وإرشادات السلامة تعزّزان العناية بقاصدي الحرمين أثناء هطول الأمطار

الجاهزية الميدانية وإرشادات السلامة تعزّزان العناية بقاصدي الحرمين أثناء هطول الأمطار

لتعزيز الصحة المجتمعية وجودة الحياة.. تجمع مكة المكرمة الصحي وأمانة العاصمة المقدسة يبرمان شراكة مجتمعية

لتعزيز الصحة المجتمعية وجودة الحياة.. تجمع مكة المكرمة الصحي وأمانة العاصمة المقدسة يبرمان شراكة مجتمعية

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode