بقلم د معدي حسين علي آل حيه
ليست مرحلة التقاعد نهاية الطريق، كما قد يتصور البعض، وإنما هي انتقال من مرحلةٍ كانت تحدد للإنسان مواعيد يومه ومسؤولياته إلى مرحلة أكثر اتساعًا، يستطيع فيها أن يعيد اكتشاف ذاته، ويمنح وقته معنى جديدًا، ويختار ما يريد أن يفعله بعيدًا عن قيود الوظيفة ورتابة الدوام.
وقد اهتم علم النفس الاجتماعي بدراسة التغيرات التي يمر بها الإنسان بعد التقاعد؛ فالفرد لا يفقد وظيفته فقط، بل قد يفقد معها جزءًا من هويته الاجتماعية وروتينه اليومي وشبكة علاقاته المهنية. ولذلك تختلف استجابة المتقاعدين لهذه المرحلة باختلاف شخصياتهم واهتماماتهم وتجاربهم السابقة.
ومن هنا يمكن أن نرى في المتقاعدين أنماطًا متعددة، لا على سبيل التصنيف العلمي الصارم، وإنما باعتبارها صورًا سلوكية واجتماعية طريفة تعكس تنوع الناس في التعامل مع الوقت الجديد.
فهناك المتقاعد الاجتماعي الذي يرى أن التقاعد فرصة لتوسيع دائرة العلاقات، فيكثر من الزيارات واللقاءات، ويصبح حضوره في المجالس أكثر وضوحًا. وهناك المتقاعد الباحث عن الماضي، الذي يجد متعته في استعادة الذكريات، والحديث عن أيام العمل، وكأن الماضي كتابٌ جميل لا يمل من قراءته.
وهناك من يتحول إلى رحّالة؛ يضع السفر ضمن أولوياته، بعدما كان العمل يؤجل أحلامه عامًا بعد عام. وهناك من يكتشف في التقاعد شغفًا قديمًا، فيتجه إلى الزراعة أو التجارة أو العمارة أو جمع الموروث الشعبي، وكأنه يقول لنفسه: لقد حان الوقت لأفعل ما كنت أؤجله.
ومن أجمل صور التقاعد أن يتحول الإنسان إلى راوٍ للخبرة؛ يستعيد تجاربه المهنية والحياتية، وينقلها إلى الأبناء والأحفاد والأصدقاء. وهذا الدور له قيمة تربوية كبيرة؛ لأن الخبرة المتراكمة عبر عقود لا ينبغي أن تتقاعد مع صاحبها، بل يمكن أن تتحول إلى معرفة يستفيد منها الآخرون.
وفي المقابل، قد يواجه بعض المتقاعدين صعوبة في التكيف مع المرحلة الجديدة، فيشعر بالفراغ أو الملل، أو يزداد انشغاله بالآخرين وانتقاد تصرفاتهم. وهنا تظهر أهمية التخطيط النفسي والاجتماعي للتقاعد قبل حدوثه، من خلال بناء اهتمامات وعلاقات وأنشطة تمنح الحياة بعد الوظيفة هدفًا ومعنى.
واللافت أن بعض المتقاعدين يجدون أنفسهم بعد التقاعد أكثر انشغالًا من أيام العمل؛ فواحدٌ يدخل عالم الأسهم، وآخر ينشغل بالتراث، وثالث يصبح خبيرًا في السياسة، ورابع يخصص وقته للأبناء والأحفاد، وخامس يجد في المجالس والزيارات ميدانًا جديدًا للعطاء.
وهذه الاختلافات تؤكد حقيقة مهمة: التقاعد لا يغيّر الإنسان بقدر ما يكشف جوانب كانت مختبئة داخله.
فمن كان محبًا للناس وجد في التقاعد فرصة أكبر للقاء، ومن كان شغوفًا بالمعرفة أصبح أكثر بحثًا وقراءة، ومن كان محبًا للسفر حمل حقيبته وانطلق، ومن كان عاشقًا للتراث عاد إلى الماضي ليستخرج منه جمالًا نسيه الناس.
إن التقاعد الناجح ليس هو الذي يخلو من المسؤوليات، وإنما هو الذي ينتقل فيه الإنسان من مسؤولية الوظيفة إلى مسؤولية الحياة؛ مسؤولية صحته، وأسرته، وعلاقاته، ووقته، وخبرته، وأثره في المجتمع.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال للمتقاعد: لا تنظر إلى اليوم الذي انتهت فيه خدمتك على أنه آخر صفحة في كتاب حياتك؛ بل اعتبره بداية فصل جديد، أقل صخبًا وأكثر نضجًا، لا تقاس قيمته بعدد ساعات العمل، وإنما بما تصنعه فيه من أثر.
فالمتقاعد الناجح لا يتقاعد من الحياة، وإنما يتقاعد من الوظيفة فقط؛ أما العطاء، والمعرفة، والصداقة، وخدمة الناس، وصناعة الأثر، فليس لها سن للتقاعد.







