كلمات المربي التي لا تُنسى.. عبارات صغيرة تصنع أثرًا كبيرًا

 

بقلم: الدكتور معدي حسين علي آل حيه

في عالم التربية، أشياء كثيرة لا تُقاس بالأرقام، ولا تظهر في التقارير، ولا تُسجَّل في كشوف الإنجاز، لكنها تبقى أغلى ما يملكه المربي بعد سنوات طويلة من العطاء… إنها الكلمات.

فالكلمة التي تخرج من القلب لا تقف عند الأذن، بل قد تنزل إلى أعماق الروح، وتبقى هناك سنوات، وربما عمرًا كاملًا.

وبحكم عملي موجهًا طلابيًا، أدركت أن التربية ليست برامج وخططًا ومتابعة سلوكية فحسب، وإنما هي قبل ذلك وبعده علاقة إنسانية، تقوم على الكلمة الطيبة، والاحتواء، والثقة، وحسن التعامل. وقد تمر على المربي مواقف عابرة، لكنه قد لا يدرك أن كلمة قالها في لحظة معينة يمكن أن تبقى في ذاكرة طالب سنوات طويلة.

أولًا: كلمة عفو قد تمحو أثر موقف كامل

من المواقف التي تكشف عظمة الكلمة، أن أحد المربين كان يستعد للانطلاق في حملة للحج، وكان منشغلًا بربط الأمتعة فوق الحافلة تحت شمس حارقة، وقد بدا عليه التعب والإجهاد.

وفي تلك اللحظة تذكر أحد الطلاب أنه نسي نظارته في المنزل. تردد كثيرًا في إخباره، وكان يتوقع أن يغضب منه لضيق الوقت.

اقترب منه بخجل وقال: «يا أستاذ… نسيت نظارتي».

فالتفت إليه المربي وقال بكل هدوء: «غفر الله لك».

لم يوبخه، ولم يقل له: لماذا نسيتها؟ ولم يشعره بأنه عبء أو مصدر إزعاج.

كانت جملة قصيرة، لكنها تركت في نفس الطالب أثرًا عميقًا لم ينسه.

وهنا ندرك أن المربي قد ينسى الموقف، لكن الطالب قد يحتفظ بالكلمة في ذاكرته وقلبه إلى سنوات طويلة.

ثانيًا: كلمات الطلاب قد تمسح تعب سنوات

ليس المربي وحده من يملك الكلمات المؤثرة، فالطلاب كذلك يقولون عبارات ربما لا يدركون حجم أثرها في نفوس معلميهم ومربيهم.

قد يقول الطالب لمعلمه:

«أحبك في الله».

أو:

«وجودك يسعدني».

أو:

«أنا أفرح عندما أراك».

وقد تأتي كلمات أعمق من ذلك:

«كنت سببًا بعد الله في تغير حياتي».

«جزاك الله خيرًا، لقد كنت سببًا بعد الله في هدايتي واستقامتي».

«ما زلت أطبق ما تعلمته منك».

عندها يشعر المربي أن ساعات التعب، وكثرة الانتظار، والصبر على الأخطاء، والقلق على الطلاب، كلها ذابت في لحظة واحدة.

إنها لحظة يدرك فيها المربي أن جهوده لم تذهب سدى.

ثالثًا: أجمل التربية أن ترى أثرها في حياة الطالب

من أعظم ما يسعد المربي أن يرى أثر التربية في الأسئلة التي يطرحها الطالب قبل الأجوبة التي يقدمها.

حين يأتي الطالب ويسأل:

«ما الذي يرضي الله؟»

أو:

«كيف أخدم ديني ومجتمعي؟»

أو يقول:

«يا أستاذ، أريد أن أتوب وأستقيم».

ثم يأتي بعد أشهر مبتسمًا ويقول:

«أصبحت أقرأ القرآن كل يوم».

فهنا يشعر المربي أن البذرة التي زرعها بدأت تنبت، وأن الكلمة الطيبة التي قالها يومًا وجدت طريقها إلى السلوك والعمل.

رابعًا: كلمات الثقة قد تصنع مستقبل إنسان

من أكثر الكلمات تأثيرًا في شخصية الطالب تلك الكلمات التي تمنحه الثقة بنفسه، وتجعله يرى في نفسه ما لم يكن يراه.

مثل:

«أراك قائدًا بالفطرة».

«سيكون لك شأن بإذن الله».

«أنت أهل لها».

«لا أريد أن أراك إلا في المقدمة».

«هذا الموقف كبرك في عيني».

«لم تخيب ظني».

«أفرح عندما أراك تتقدم».

هذه العبارات ليست مجاملات عابرة إذا خرجت في موضعها وبصدق؛ فقد تكون نقطة تحول في حياة طالب، وتدفعه إلى الاجتهاد، وتحمل المسؤولية، واكتشاف قدراته.

خامسًا: كلمات الوفاء تبقى في الذاكرة

هناك كلمات يشعر معها الإنسان أن العلاقة التربوية تجاوزت حدود المكان والزمان، مثل:

«والله لا أنساك من دعائي».

«أدعو لك في كل صلاة».

«لن أخذلك»

«أنا سامحتك قبل أن تعتذر».

«أسأل الله ألا يحرمني منك».

إنها كلمات قليلة الحروف، لكنها عظيمة المعنى، لأنها تعبر عن وفاء حقيقي نشأ من موقف صادق أو أثر تربوي عميق.

سادسًا: الطالب يحتاج أن يشعر بأنه مهم

قد يمر الطالب بظروف لا يعرفها المربي، وقد تكون كلمة واحدة سببًا في إدخال السرور إلى قلبه.

«افتقدناك كثيرًا»

«أسعدتني رسالتك».

«الآن اطمأن قلبي عليك».

«أثلجت صدورنا».

«هذا أسعد خبر سمعته اليوم».

كلمات بسيطة، لكنها تقول للطالب: أنت مهم، ونحن نهتم بك، وغيابك ملحوظ، ونجاحك يسعدنا.

وهذه الرسالة الإنسانية من أهم ما يحتاجه الطالب في البيئة التربوية.

سابعًا: عندما يصبح المربي بمنزلة الأب

ومن أعمق الكلمات التي يمكن أن يسمعها المربي من طالبه أن يقول:

«أنت بمنزلة أبي يا أستاذ».

أو

«اسمح لي أن أناديك يا أبي».

عندها يدرك المربي أن التربية لم تعد درسًا، ولا نشاطًا، ولا توجيهًا عابرًا؛ وإنما أصبحت علاقة إنسانية سكنت القلب.

وهنا تكمن عظمة الرسالة التربوية: أن يترك المربي في نفس الطالب أثرًا يتجاوز سنوات الدراسة، ويبقى معه في مراحل حياته المختلفة.

وبحكم عملي موجهًا طلابيًا

وبحكم عملي في التوجيه الطلابي، وخبرتي الطويلة في الميدان التربوي، أؤمن أن بعض أعظم ما يمكن أن يقدمه المربي للطالب ليس كلمة طويلة، ولا محاضرة مطولة، وإنما كلمة صادقة في الوقت المناسب.

قد يحتاج الطالب في لحظة ضعف إلى كلمة تشجعه، وفي لحظة خطأ إلى كلمة تعفو عنه، وفي لحظة تردد إلى كلمة تمنحه الثقة، وفي لحظة نجاح إلى كلمة تقول له: أنا فخور بك، واصل طريقك.

ولذلك فإن المربي الناجح لا يستهين بكلماته، لأنه لا يعلم أي كلمة منها ستصبح ذكرى خالدة في قلب أحد طلابه.

الكلمة الطيبة.. صدقة تربوية

إن الكلمات الجميلة لا تكلف شيئًا، لكنها قد تبني إنسانًا، أو تداوي قلبًا، أو ترفع همة، أو تعيد الأمل، أو تصنع ذكرى يعيش عليها صاحبها عشرات السنين.

وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.

فليكن للمربي نصيب من هذا الجمال في قوله وتعامله وتوجيهه.

لا تبخلوا بالكلمات الطيبة على من تحبون، ولا تؤجلوا الشكر، ولا تختصروا المشاعر الجميلة بالصمت؛ فرب كلمة خرجت من قلب صادق، بقيت في قلب إنسان آخر حتى يلقى الله.

ولعل أجمل ما نختم به: سلوا المربين عن الكلمات التي لا يزالون يتذكرونها بعد سنوات، وسلوا الطلاب عن الكلمات التي غيّرت فيهم شيئًا؛ فستكتشفون أن أعظم الآثار التربوية قد تبدأ أحيانًا من جملة قصيرة، قيلت بصدق، وفي الوقت المناسب.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

أنتم صُنّاعُ الأجيال… وبُناةُ المستقبل

بقلم / ا. عبد الله شراحيلي مع إشراقة عامٍ دراسيٍّ جديد، أبعث إلى إخوتي وأخواتي المعلمين والمعلمات أصدق التحايا وأجمل الأمنيات، وأنتم تحملون رسالةً من أعظم الرسالات؛ رسالة العلم، وبناء الإنسان، وصناعة المستقبل. أيها المعلّمون والمعلمات، أنتم لا تزرعون المعرفة في عقول أبنائنا وبناتنا فحسب، بل تغرسون القيم، وتبنون الثقة، وتفتحون أبواب الأمل والطموح. فكم من طالبٍ تغيّرت حياته بكلمة تشجيع من معلّم، وكم من حلمٍ…

قراءة نقدية في التفاسير القديمة والمعاصرة

  بقلم د معدي حسين علي آل حيه من خلال البحث عن موضوع يختص بالقران الكريم اخترت المشاركة بمقال عن المقارنة بين كتب التفسير في القديم والحاضر حيث انها تمثل ثروة علمية وفكرية كبرى في الحضارة الإسلامية، إذ أسهمت عبر القرون في الكشف عن معاني القرآن الكريم، وبيان دلالاته اللغوية والشرعية، وربط آياته بأصول العقيدة والفقه والسلوك ومختلف جوانب الحياة. ومع تنوع المدارس التفسيرية وتعدد العصور،…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

أنتم صُنّاعُ الأجيال… وبُناةُ المستقبل

أنتم صُنّاعُ الأجيال… وبُناةُ المستقبل

قراءة نقدية في التفاسير القديمة والمعاصرة

قراءة نقدية في التفاسير القديمة والمعاصرة

من الأحد إلى السبت… حكاية سبعة أيام

من الأحد إلى السبت… حكاية سبعة أيام

“رفقًا بالقوارير”

“رفقًا بالقوارير”

إجازة زمان.. حين كان للصيف طعمٌ آخر

إجازة زمان.. حين كان للصيف طعمٌ آخر

كلمات المربي التي لا تُنسى.. عبارات صغيرة تصنع أثرًا كبيرًا

كلمات المربي التي لا تُنسى.. عبارات صغيرة تصنع أثرًا كبيرًا

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode