حين كنتُ ولدًا شقيًا

بقلم: فايل المطاعني الحكواتي

الولد الشقي… لاعب كرة قدم سابقًا!

عندما تحدثتُ في إحدى الحكايات السابقة عن عشقي لكرة القدم، فوجئتُ بعدد من الأصدقاء يرسلون لي رسائل مستغربة:

«هل أنت فعلًا كنت لاعب كرة قدم؟!»

بعضهم سألني من باب الاستغراب، وربما لأنهم يرونني اليوم حكواتيًا معروفًا، فيعتقدون أن الحكواتي لا بد أن يكون إنسانًا هادئًا، يجلس أمام الناس ويحكي الحكايات، وكأنه وُلد وفي يده كتاب، وليس كرة!

وأقول لهم: نعم، لعبتُ كرة القدم، وكانت لي صولات وجولات… أما النتيجة، فهذه قصة أخرى!

صحيح أن النتيجة لم تكن دائمًا مرضية، لكن عذرًا يا أصدقائي، كل لاعبي العالم سجلوا أهدافًا في مرماهم! وهذه في حد ذاتها بداية من بدايات التعلم.

فكيف كنت سأتعلم أساسيات كرة القدم من دون أن أجرب؟

وكما يقولون: لا يمكن أن تصبح لاعبًا محترفًا من أول تسديدة… خصوصًا إذا كانت الكرة ذاهبة إلى مرماك!

الزمالك… الحكاية البيضاء

طبعًا، أنا معروف عني أنني زملكاوي متعصب، وحبي لنادي الزمالك المصري بدأ منذ أن وطئت قدماي أرض مصر المحروسة.

منذ ذلك الوقت، وكأن قلبي قرر أن يرى في مصر شيئًا واحدًا فقط:

القلعة البيضاء!

كنت منذ الصغر أحب الزمالك، وكنت أردد مع الزملكاوية:

«يا زمالك يا مدرسة… فن ولعب وهندسة».

وكنت أضع صور أبطال نادي الزمالك على جدران غرفتي.

يعني لو دخل شخص غريب الغرفة في ذلك الوقت، فربما كان يظن أنه دخل مقر النادي وليس غرفة ولد شقي!

وطبعًا، نادي الزمالك بحجم تاريخه ومكانته لا يُختزل في كرة القدم وحدها، لكن كرة القدم كانت هي السائدة، وهي التي تجعل المشجع يعيش المباراة وكأنه داخل الملعب.

زمن الكرة الجميل

ولم تكن الكرة في ذلك الزمن محصورة بين الزمالك والأهلي فقط.

كانت هناك أندية عربية كبيرة، ولاعبون مميزون، وكانت المنافسة العربية لها طعم آخر.

لم ألحق على فترة الكابتن محمود الخطيب «بيبو»، ولا على فترة حسن شحاتة كلاعب، وإن كان القدر قد جعلني ألتقي اسمه لاحقًا في الكرة العمانية عندما تولى تدريب أحد الأندية العمانية.

لكنني عشت جيلًا شاهدت فيه نجومًا كبارًا، مثل:

جمال عبدالحميد، وإبراهيم يوسف، وأحمد الكاس، وأحمد شوبير، وثابت البطل، وغيرهم الكثير من النجوم المصريين.

وكانت الكرة العربية وقتها عامرة بالأسماء الكبيرة والأندية التي لها جماهيرها وهيبتها.

من شبيبة القبائل الجزائري، والترجي التونسي، والرجاء البيضاوي المغربي، والنادي الملكي المغربي، وجبلة السوري، والرشيد العراقي، والزوراء العراقي، والهلال السعودي، والأهلي السعودي، والاتفاق السعودي، والاتحاد السعودي، والعين الإماراتي، والوحدة الإماراتي، والوصل الإماراتي، والشباب الإماراتي، والشعب الإماراتي، وفنجاء العماني، والعروبة العماني، وصور العماني، وظفار العماني، وعُمان العماني، وغيرها من الأندية.

كانت مرحلة مختلفة تمامًا.

كنا متعصبين لأنديتنا، نعم، ولكنها كانت ملكية حقيقية للكرة!

لم نكن نعرف شيئًا اسمه «تشفير».

المباراة يشاهدها الفقير والغني، والطالب والموظف، وصاحب الدكان ومدير الشركة.

أما اليوم، فأحيانًا أشعر أن كرة القدم أصبحت تقول للمشجع:

«إذا أردت أن تشاهد المباراة… أحضر محفظتك أولًا، وبعدها نتفاهم!»

عندما كنتُ وحداويًا… لأسباب عائلية!

ومن أجمل الذكريات التي لا تزال عالقة في ذاكرتي، حضوري مباراة بين نادي الوحدة الإماراتي ونادي العين الإماراتي.

في تلك الفترة كنتُ وحداويًا.

وكنا نشجع بحماس شديد.

وطبعًا، نادي الوحدة كان معروفًا بتكريم محبيه، حيث الأكل والشرب، وأحيانًا بعض المال للمشجع، حتى يواصل التشجيع والرقص بحماس.

وبصراحة، كنت أشجع بحماس شديد جدًا…

لكن ليس لسبب واحد!

السبب الأول: أن العين كان منافسًا للوحدة.

والسبب الثاني، وهو الأهم:

إخواني كلهم كانوا يشجعون نادي العين!

وهنا لا تحتاج إلى تحليل رياضي أو تكتيكي.

كان الأمر بالنسبة لي قضية عائلية!

فأنا لا يمكن أن أشجع الفريق الذي يشجعه إخوتي، حتى لو كان الفريق سيلعب أمام منتخب العالم!

كنت وحداويًا بكل جوارحي، وأصرخ وأشجع وأتحمس، وربما لو طلب مني المدرب النزول إلى الملعب في ذلك الوقت لنزلت دون أن أسأل عن مركز اللعب!

لكن المشكلة كانت تبدأ بعد المباراة.

إذا فاز نادي الوحدة…

لا أستطيع المبيت في البيت!

لماذا؟

لأنني أعرف أن إخواني ينتظرونني هناك، وأعرف أيضًا أن كلمة «مبروك» لن تكون كافية لحمايتي!

لذلك كنت أطلب الحماية من إدارة النادي خوفًا على حياتي، وأحيانًا أختار الحل الأكثر أمانًا:

أنام في سكن الجامعة!

وهكذا تحولت من مشجع وحداوي إلى شخص يبحث عن ملجأ آمن بعد المباراة!

كرة القدم التي كانت تجمعنا

وعندما كنا نلعب الكرة في تلك الأيام، كنا نلعبها بحب وحماس، بعيدًا عن المادة والشهرة.

لم نكن نفكر في الاحتراف ولا العقود ولا قيمة اللاعب في السوق.

كانت الكرة مجرد كرة.

والملعب مجرد ملعب.

والفرحة كانت في أن تسجل هدفًا، حتى لو كان الهدف في مباراة الحارة، وحتى لو كان حارس المرمى ابن الجيران الذي سيذهب معك بعد المباراة لتناول الشاي!

ومعظم الذين لعبت معهم في تلك المرحلة أصبحوا اليوم في مناصب جميلة في الدولة، وبعضهم أصبح له شأن ومكانة.

لكن الأجمل من كل ذلك، أننا في اليوم التالي كنا نمشي مع بعض وكأن شيئًا لم يحدث.

لا أحد يحمل على الآخر.

ولا أحد يقول:

«أنت أمس كسرت رجلي!»

ولا:

«أنت السبب في خسارتنا!»

بل كنا نتذكر من أحداث المباراة شيئًا واحدًا فقط:

الضحك.

كانت قلوبنا صافية، لا تحمل إلا الخير.

كانت كرة القدم تجمعنا أكثر مما تفرقنا.

واليوم، عندما أتذكر تلك الأيام، أدرك أن أجمل ما في كرة القدم لم يكن الفوز والخسارة…

بل الأصدقاء الذين كانوا يشاركوننا تلك اللحظات.

ولنا في الذكريات حياة

كبرنا، وتغيرت الأماكن، وتغيرت المسؤوليات، وأصبح بعض رفاق الأمس أصحاب مناصب ومكانة، وأصبح الولد الشقي الذي كان يركض خلف الكرة يجلس اليوم ليركض خلف الحكايات!

لكن شيئًا واحدًا لم يتغير…

ذلك الولد الذي يسكن في داخلي.

كلما سمعت صوت مباراة، أو رأيت ملعبًا، أو مررت بمكان قديم، خرج من داخلي وقال:

«فايل… تذكر أيام الكرة؟»

فأجيبه:

«أتذكرها يا ولد… وكيف أنساها؟!»

ثم أتذكر أيضًا أنني كنت وحداويًا، وإخواني عيناويين، وأن بعض انتصارات الوحدة كانت تجعلني أبحث عن سكن الجامعة بدل البيت!

وهنا أقول لنفسي:

الحمد لله أنني لم أصبح لاعب كرة قدم محترفًا… وإلا لربما كنت أبحث عن سكن الجامعة حتى اليوم!

هذه هي الذكريات…

لا تعود بنا إلى الماضي، لكنها تجعل الماضي يعود إلينا.

ولنا في الذكريات حياة.

مع تحيات

الولد الشقي سابقًا…

الحكواتي حاليًا.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

الأصيل لا تغيّره الألقاب

بقلم /فوزية الوثلان قد تتغير المناصب وتتعدد الألقاب ويصبح المعلم مديرًا والطبيب مستشارًا والموظف مسؤولًا لكن هناك شيئًا لا تمنحه وظيفة ولا تصنعه شهادة ولا يرفعه منصب إنه أصل الإنسان فالإنسان يعمل بأصله مهما تغير موقعه ومهما ارتفع شأنه لأن المنصب قد يغير مكان الإنسان لكنه لا يغير معدنه والألقاب قد تمنح حضورًا لكنها لا تمنح أخلاقًا ولهذا قيل كل إناء بما فيه ينضح الأصيل يبقى…

شكرًا مستشفى الملك فهد المركزي بجازان شكرًا جمعية روح الصحية لمرضى الأورام

  يوم عالمي للعمل الإنساني محمد الرياني ” تقديرًا للعطاء الإنساني ، واحتفاء بكل يد تمتد بالخير ، وكل جهد يصنع أثرًا ، وكل إنسان يختار أن يكون عونًا لغيره ” هكذا بدت الجملة بين علامتي التنصيص في دعوة جمعية روح الصحية للمشاركة في فعالية اليوم العالمي للعمل الإنساني ، والعطاء حياة كما تضمنتها الدعوة ، والحضور أيضًا شرف ودعم لهذه المسيرة الإنسانية . ولأن مملكتنا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

الأصيل لا تغيّره الألقاب

الأصيل لا تغيّره الألقاب

حين كنتُ ولدًا شقيًا

حين كنتُ ولدًا شقيًا

تهامةُ المجد

تهامةُ المجد

تحت رعاية سمو أمير منطقة الباحة فرع هيئة الأمر بالمعروف بالمنطقة يقيم معرض (ولاء) بالشراكة مع إدارة المرور

تحت رعاية سمو أمير منطقة الباحة فرع هيئة الأمر بالمعروف بالمنطقة يقيم معرض (ولاء) بالشراكة مع إدارة المرور

شكرًا مستشفى الملك فهد المركزي بجازان شكرًا جمعية روح الصحية لمرضى الأورام

شكرًا مستشفى الملك فهد المركزي بجازان  شكرًا جمعية روح الصحية لمرضى الأورام

لا تؤجّلوا الحب… فبعض الغياب لا يُمهلنا للعتاب

لا تؤجّلوا الحب… فبعض الغياب لا يُمهلنا للعتاب

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode