بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه
(متخصص في التوجيه والإرشاد النفسي)
تُعد مرحلة المراهقة من أكثر المراحل العمرية حساسية في حياة الأبناء؛ فهي مرحلة انتقالية تتداخل فيها التغيرات الجسدية والانفعالية والعقلية والاجتماعية، وقد يلاحظ الوالدان خلالها تغيرًا في بعض السلوكيات والميول وطريقة التفكير والتعامل مع الأسرة والمجتمع.
غير أن التعامل مع المراهق باعتباره «متمردًا» بطبيعته قد يزيد المشكلة تعقيدًا؛ فالمراهق في حاجة إلى من يفهم مرحلته، ويستمع إليه، ويحتويه، ويصحح أخطاءه بالحكمة والحوار، مع وضع الحدود التربوية المناسبة.
وفيما يلي أبرز الأساليب التي تساعد الأسرة والمربين على التعامل الإيجابي مع الأبناء في هذه المرحلة:
أولًا: فهم مرحلة المراهقة
المراهقة مرحلة تقع بين الطفولة والرشد، وتتميز بنمو شامل في جوانب متعددة من شخصية الإنسان. وقد أشار القرآن الكريم إلى انتقال الإنسان بين مراحل القوة والضعف، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: 54].
ومن الخطأ اختزال المراهقة في الطيش أو التمرد؛ فالكثير من المراهقين يتميزون بالتفوق الدراسي، وحفظ القرآن، وحسن الخلق، والإبداع، والقدرة على تحمل المسؤولية، متى وجدوا البيئة التربوية المناسبة.
ثانيًا: الهدي النبوي في التعامل مع المراهقين
قدم النبي صلى الله عليه وسلم نماذج تربوية عظيمة في التعامل مع الشباب، تقوم على الاحترام والحوار ومراعاة مشاعرهم.
ومن ذلك موقفه صلى الله عليه وسلم مع الغلام الذي كان عن يمينه، حين استأذنه في أن يعطي الأشياخ ما عن يمينه، فرفض الغلام أن يؤثر أحدًا بنصيبه، فلم يعنفه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يوبخه.
كما يظهر الأسلوب النبوي في الحوار مع الشاب الذي جاء يسأل عن إباحة الزنا؛ فلم يكن التعامل معه بالصراخ أو الإهانة، وإنما بالحوار والإقناع وتصحيح الفكرة، حتى اقتنع الشاب وابتعد عن هذا السلوك.
وهذا يؤكد أن الحوار الهادئ قد يكون أبلغ أثرًا من المواجهة القاسية.
ثالثًا: فهم التغيرات الجسدية والانفعالية
يشهد المراهق نموًا متسارعًا في الطول والوزن وبقية أعضاء الجسم، إلى جانب ظهور التغيرات المرتبطة بالبلوغ.
وقد تصاحب هذه المرحلة حساسية انفعالية وتوتر وتقلب في المشاعر، وقد يشعر بعض الأبناء بالخجل أو ضعف الثقة بالنفس، خصوصًا مع التغيرات الجسدية التي يمرون بها.
ومن هنا تأتي أهمية أن يطمئن الوالدان أبناءهما إلى أن كثيرًا من هذه التغيرات طبيعية، وأن يتعاملوا معها بعيدًا عن السخرية أو الإحراج أو المقارنات.
رابعًا: تنمية الثقة بالنفس
قد يشعر المراهق أحيانًا بأنه أصبح كبيرًا وقادرًا على اتخاذ قراراته، بينما يرى الوالدان أنه ما زال بحاجة إلى التوجيه والمتابعة.
وهنا ينبغي تحقيق التوازن بين إعطائه مساحة مناسبة من الاستقلالية وبين المحافظة على التوجيه والرقابة التربوية.
فالثقة لا تُبنى بكثرة الأوامر، وإنما بإشعار الابن بأنه موضع تقدير، وأن رأيه مسموع، وأن أخطاءه يمكن أن تكون فرصة للتعلم والنمو.
خامسًا: الاستماع إلى المراهق
من أهم احتياجات المراهق أن يجد شخصًا يستمع إليه بصدق واهتمام.
فحين يشعر الابن أن والديه لا يسمعانه أو لا يهتمان بمشكلاته، قد يبحث عن شخص آخر يشاركه أفكاره ومشكلاته، وقد تكون تلك العلاقة غير آمنة أو غير صالحة.
لذلك فإن الاستماع الهادئ، وعدم المقاطعة، وفهم المشاعر قبل تقديم النصائح، من الوسائل المهمة لبناء علاقة تربوية قوية.
سادسًا: إظهار الحب والحنان
كبر الأبناء لا يعني انتهاء حاجتهم إلى الحب والاحتضان والكلمة الطيبة والتقدير.
فالمراهق يحتاج إلى أن يشعر بأنه محبوب ومقبول من أسرته، وأن مكانته محفوظة مهما وقع منه من أخطاء.
والحب هنا لا يعني التساهل مع الخطأ، وإنما يعني الفصل بين محبة الابن ورفض السلوك الخاطئ.
سابعًا: الاهتمام بالرفقة الصالحة
يميل المراهق إلى تكوين الصداقات والارتباط بأقرانه، وقد يكون للأصدقاء تأثير كبير في أفكاره وسلوكه واهتماماته.
ولهذا ينبغي أن يحرص الوالدان على معرفة البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها أبناؤهم، وتشجيعهم على مصاحبة الصالحين وأصحاب الأخلاق الحسنة، مع تجنب أسلوب التحقيق والاتهام الذي قد يدفع الابن إلى إخفاء علاقاته.
ثامنًا: الحوار بدلًا من كثرة الأوامر
كثرة التوجيه المباشر واللوم قد تدفع المراهق إلى العناد أو الانغلاق.
أما الحوار فيمنحه فرصة للتعبير عن أفكاره وطرح أسئلته، ويتيح للوالدين تصحيح المفاهيم الخاطئة بطريقة أكثر تأثيرًا.
والمربي الناجح لا يكتفي بأن يقول للمراهق: «هذا خطأ»، بل يساعده على فهم لماذا هو خطأ، وما البديل الصحيح، وكيف يمكنه تطبيقه.
تاسعًا: التركيز على السلوك لا على شخصية الابن
من الأخطاء التربوية أن يتحول نقد الخطأ إلى نقد شخصية المراهق.
فبدل أن يقال له: «أنت مهمل» أو «أنت فاشل»، ينبغي أن يقال: «إهمالك لدراستك يحتاج إلى معالجة، ولنبحث معًا عن السبب والحل».
فالهدف هو تعديل السلوك، وليس تحطيم شخصية الابن أو إشعاره بأنه شخص سيئ.
عاشرًا: منح المراهق فرصة لتحمل المسؤولية
يحتاج المراهق إلى الشعور بأنه أصبح قادرًا على الإنجاز والمشاركة وتحمل المسؤولية.
ويمكن للأسرة أن تشركه في بعض المهام المناسبة لعمره وقدراته، وتستمع إلى آرائه، وتكلفه بأعمال يشعر من خلالها بأهميته ودوره داخل الأسرة والمجتمع.
الحادي عشر: التعامل مع مقاومة السلطة بالحكمة
قد يرفض بعض المراهقين بعض الأوامر الأبوية رغبة في إثبات الذات، وليس بالضرورة رغبة في التمرد.
ومن الحكمة ألا تتحول كل مخالفة إلى معركة داخل الأسرة، بل ينبغي فهم السبب، والحوار مع الابن، ووضع قواعد واضحة، مع الثبات عليها بطريقة هادئة ومتزنة.
الثاني عشر: خطوات عملية لتعديل السلوك
يمكن التعامل مع السلوكيات السلبية لدى المراهق من خلال خطوات تربوية متدرجة، من أبرزها:
1. بناء علاقة إيجابية مع الابن تقوم على الثقة والاحترام.
2. تحديد السلوك الخاطئ بصورة واضحة، بدل إطلاق الأحكام العامة.
3. الاستماع إلى وجهة نظر الابن وفهم أسباب السلوك.
4. تصحيح الأفكار والمعتقدات الخاطئة بالحوار والإقناع.
5. إشراك الابن في اقتراح الحلول المناسبة لمشكلته.
6. تعزيز السلوك الإيجابي وتشجيعه عندما يحقق تقدمًا.
7. متابعة التغيير بصورة مستمرة دون تحويل المتابعة إلى مراقبة مزعجة.
8. الصبر؛ لأن تعديل السلوك يحتاج إلى وقت وتكرار وتشجيع.
الثالث عشر: المدرسة والأسرة شريكان في التربية
لا تقتصر مسؤولية التعامل مع المراهق على الأسرة وحدها، بل تشترك معها المدرسة والمؤسسات التربوية والمجتمعية في بناء شخصية الشاب وتوجيه طاقاته.
ويمكن للمدرسة أن تسهم في اكتشاف مواهب الطلاب وقدراتهم، وتقديم البرامج التي تساعدهم على استثمار طاقاتهم بصورة إيجابية، مع تعزيز التعاون بين الأسرة والمدرسة في معالجة المشكلات السلوكية والتربوية.
الخلاصة
إن المراهق لا يحتاج إلى مزيد من الصراخ بقدر حاجته إلى الفهم، ولا يحتاج إلى الإهمال بقدر حاجته إلى الاحتواء، ولا يحتاج إلى إلغاء شخصيته بقدر حاجته إلى من يساعده على بناء شخصية مستقلة ومتزنة.
والتربية الناجحة لا تعني منع الخطأ تمامًا، وإنما تعني تعليم الابن كيف يفهم خطأه، ويتحمل مسؤوليته، ويصححه، ويتعلم منه.
ومن هنا فإن الحوار، والقدوة الحسنة، والحب، والاستماع، والرفقة الصالحة، والتعزيز الإيجابي، والمتابعة الحكيمة تمثل أدوات مهمة في التعامل مع المراهق وتعديل سلوكه وبناء شخصيته.
.







