مذكرات الولد الشقي
بقلم: فايل المطاعني
إلى أبي مع التحية… أبو صالح
عندما أكتب عن والدي، فأنا لا أكتب عن شخصية عابرة مرت في حياتي ثم مضت، ولا أكتب عن رجل كان مجرد أب في شجرة العائلة.
أنا هنا أكتب عن رجل عشت معه خمسة وثلاثين عامًا، ثم رحل، بينما بقيت أنا… وما زلت، حتى هذه اللحظة، أشعر أنني أحتاج إلى وجوده.
بعض الآباء يغادرون الدنيا، لكنهم لا يغادرون أبناءهم.
يبقى صوتهم في الذاكرة، ونظراتهم في المواقف، وكلماتهم في الرأس، وحتى نصائحهم التي كنا نضيق بها ونحن صغار، نعود إليها بعد أن نكبر فنكتشف أنهم كانوا يرون الحياة قبلنا بسنوات.
وهذا هو أبي…
أبو صالح.
أو «بو صالح»، كما كان يحب أن يناديه أصدقاؤه وكل من تعامل معه.
لكن قبل أن أحدثكم عن أبي، لا بد أن أحكي لكم حكاية صالح.
صالح كان أخي، يصغرني بسنة واحدة.
وعندما جاء صالح إلى الدنيا كان والدي موجودًا. وهنا، وأنا أكتب، تذكرت أنني نسيت أن أخبركم في الحكايات السابقة أن والدي كان كثير الترحال، وكانت أسفاره تأخذه بعيدًا عن البيت لفترات طويلة.
لكن شاء الله أن يكون موجودًا عندما وُلد صالح.
ويقال إن صالح كان يشبه أبيه كثيرًا، ولذلك تعلّق به والدي تعلقًا كبيرًا، وتربى تحت عينيه وبصره حتى بلغ الثامنة من عمره.
ثم رحل صالح عن الدنيا.
وكانت صدمة كبيرة على والدي.
حزن عليه حزنًا شديدًا، ومنذ ذلك الوقت قرر أن يحمل اسم صالح في قلبه، فأصبح «أبو صالح»، رغم وجود أخي الكبير… وأنا بالطبع!
وهنا اسمحوا لي أن أقول شيئًا عن الابن الأوسط.
الابن الكبير، كما تعرفون، هو ولي العهد!
والصغير هو آخر العنقود، وله حكاية أخرى!
أما الأوسط… فلا أعرف حتى هذه اللحظة ما موقعه من الإعراب!
لكنني، ولله الحمد، نجوت من تلك الأزمة وأصبحت حكواتيًا، وهذا بحد ذاته دليل على أن الابن الأوسط يستطيع أن ينتقم أدبيًا بعد سنوات!
كان والدي رجلًا طويل القامة، حنطي البشرة، ذا لحية خنجرية مميزة.
وعندما بدأ الشيب يغزو لحيته، كان يصبغها بالسواد، لكنه يترك في جهة اليمين بعض الشعرات البيضاء، وكأنها توقيع خاص به.
كانت نظراته حادة وذكية، لكنها كانت مغلفة بالطيبة.
أما صوته فكان رخيمًا، وله قدرة عجيبة على الحديث باللهجة العراقية بطلاقة، فقد عاش فترة في البصرة.
ومن البصرة انتقل في رحلاته إلى مصر المحروسة، ثم سافر إلى الهند في رحلات تجارية، حتى وصل إلى بلاد الإنجليز.
وهنا بدأت تظهر عليه بعض «اللمسات الإنجليزية»!
في ملابسه، وفي مشيته، وحتى في طريقة إمساكه بالسيجارة.
كان يمسكها بطريقة إنجليزية أرستقراطية، لدرجة أنك إذا رأيته من بعيد ربما ظننته اللورد كرومر!
لكن الفرق أن اللورد كرومر لم يكن عنده ولد شقي مثلي!
كان والدي دائمًا يقول:
«خُلقنا لكي نساعد بعضنا، ونهتم ببعضنا.»
ولم تكن هذه مجرد كلمات يقولها، بل كانت فلسفة عاش بها.
كان بيتنا في العين بدولة الإمارات العربية المتحدة ملجأ لكل عماني، بل ولكل غريب يحتاج إلى مساعدة أو يجد نفسه بعيدًا عن أهله.
كان أبي يحب الناس، ويؤمن بأن الإنسان لا يعيش لنفسه فقط.
وكان يحب العراق حبًا خاصًا، ومن خلاله تعرفت على الكثير من المطربين العراقيين القدامى، وتعرفت أيضًا على عدد من الأكلات العراقية الجميلة.
أما الرماية، فكانت حكاية أخرى.
كان والدي بارعًا في الرماية، وكان أحيانًا يعمل لإخواني مسابقات في الرماية، ثم يدخل معهم في المسابقة وينتهي الأمر بأنه يتفوق عليهم جميعًا!
ولا أدري هل كان الهدف تعليمهم الرماية أم تذكيرهم بأن «الأب لا يزال موجودًا»!
كان أبو صالح عالمًا من الأبوة والثقافة والتجارب.
وأنا شخصيًا تعلمت منه الكثير، حتى في المواقف التي لم أكن أدرك وقتها أنها دروس.
ومن المواقف التي لا أنساها أنني في إحدى المرات قلت له:
— أريد أن أشتري كتابًا للدكتور مصطفى الشكعة، اسمه «إسلام بلا مذاهب».
فقال لي بكل هدوء:
— جيد… غدًا صباحًا سأعطيك المال.
وطبعًا، فرحت!
وفي اليوم التالي استيقظت وأنا في انتظار المال.
لكنني لم أجد المال!
وجدت أمامي شوالًا، أو جونية، مليئة بالليمون!
نظرت إلى والدي، ونظرت إلى الليمون، ثم نظرت إلى والدي مرة أخرى، وكأنني أقول له بعيني:
«أبي… أين الكتاب؟ وأين النقود؟ وما علاقة مصطفى الشكعة بالليمون؟!»
فقال لي:
— اذهب وبع هذا الليمون، والذي تربحه اشترِ به الكتاب الذي تريده.
ثم قال لي جملة لم أنسها:
«يا ولدي مبارك، نحن لم نحصل على المال في الشارع… حصلنا عليه بالجهد والعرق والكفاح.»
كان اسمي «مبارك»، وقد ذكرته لكم في مذكرات سابقة، ولكن أبي في تلك اللحظة لم يكن يعلمني كيف أشتري كتابًا فقط.
كان يعلمني قيمة المال.
وكان يعلمني أن الشيء الذي نحصل عليه بجهدنا يصبح له طعم آخر.
ومن يومها عرفت أن الطريق إلى الكتاب قد يمر أحيانًا عبر جونية ليمون!
وهذه، يا أصدقائي، بعض مواقف أبي صالح.
لكن الحقيقة أن حياة خمسة وثلاثين عامًا مع الأب لا يمكن أن تختصرها صفحات، مهما طال بنا الكلام.
هناك مواقف أخرى، وضحكات أخرى، ونصائح أخرى، وربما حتى بعض «التأنيبات» التي كنت أعتبرها ظلمًا في طفولتي، ثم اكتشفت بعد أن كبرت أنها كانت حبًا يرتدي ثوب الحزم.
واليوم، وأنا أكتب عنه، أشعر أنني لا أكتب الماضي فقط.
أنا أكتب عن رجل ما زال حاضرًا في داخلي.
رحم الله أبي صالح…
رحم الله ذلك الرجل الذي رحل بجسده، لكنه ترك في أبنائه شيئًا من روحه، وترك فينا من كلماته ما يكفينا لسنوات طويلة.
وأعترف لكم بشيء…
أحيانًا أتمنى لو أستطيع أن أعود طفلًا ليوم واحد فقط، لا لأكون ولدًا شقيًا هذه المرة، بل لأجلس بجانب أبي وأستمع إليه.
أريده أن يحدثني عن العراق، وعن البصرة، وعن الهند، وعن مصر، وعن بلاد الإنجليز، وعن الحياة التي عاشها قبل أن نكبر نحن.
وربما… لو عاد ذلك اليوم، سأطلب منه كتابًا أيضًا.
لكن هذه المرة لن أستغرب إذا وضع أمامي جونية ليمون!
فقد فهمت الدرس الآن يا أبي.
رحمك الله يا أبا صالح، وأسكنك فسيح جناته، وجمعنا بك في دار لا فراق فيها.
أما أنا…
فما زلت ذلك الولد الشقي، لكن الزمن أخذ مني الشقاوة قليلًا، وأعطاني الحكواتي بدلًا منها.
مع تحيات الولد الشقي سابقًا…
الحكواتي حاليًا.







