بقلم: أحمد علي بكري
هناك مقاطع لا تنتهي بانتهاء مشاهدها، بل تبقى عالقة في القلب، تعود إليها المشاعر كلما تذكّرنا تفاصيلها. وهذا بالضبط ما شعرت به وأنا أشاهد فيلم «حزام»؛ فقد اجتمعت فيه مشاعر الفخر والحزن والفرح في قصة إنسانية مؤثرة تختصر معاني التضحية والوفاء والبر والبطولة، وتقدم صورة عميقة عن رجال يقفون في ميادين الشرف لنعيش نحن في بيوتنا مطمئنين، وعن أسر تحمل آثار تلك التضحيات وتواصل مسيرة العطاء جيلاً بعد جيل.
منذ المشاهد الأولى، يأخذنا العمل إلى قصة بطل من أبطال الحرس الوطني، رجل اختار طريق الشرف وخدمة وطنه، ووقف في ساحة المعركة يؤدي واجبه في الدفاع عن وطنه وأرضه وأهله، حتى نال الشهادة. وهنا يصعب على المشاهد أن يتعامل مع القصة باعتبارها مجرد أحداث مصورة؛ لأن خلف صورة الجندي في الميدان إنساناً له أم وأب وزوجة وأبناء وأحلام وذكريات، ثم تتحول تلك الحياة كلها إلى ذكرى خالدة عندما يقدم الرجل روحه في سبيل أداء واجبه.
وأثناء مشاهدة هذه المشاهد، شعرت بدمعة تختلط فيها مشاعر كثيرة؛ دمعة حزن على رجل رحل عن أسرته، ودمعة فخر برجل أدى واجبه حتى النهاية، ودمعة امتنان لكل أولئك الجنود الذين يحملون مسؤولية لا نشعر بثقلها ونحن نعيش تفاصيل حياتنا اليومية. نحن نستيقظ في منازلنا، نذهب إلى أعمالنا ومدارسنا، نجلس مع أسرنا، نخرج ونعود، ونمارس حياتنا بصورة طبيعية، وقد لا نفكر في اللحظة نفسها في الرجال الذين يقفون في مواقعهم، بعيداً عن أسرهم، يؤدون واجباتهم ويحرسون حدود الوطن ومقدراته.
وهذه هي إحدى أعظم الرسائل التي يحملها العمل: أن الأمن الذي نراه أمراً معتاداً في حياتنا ليس أمراً بسيطاً، وإنما نعمة عظيمة من الله سبحانه وتعالى، ثم ثمرة جهود رجال يؤدون واجباتهم بإخلاص، ويبذلون من أعمارهم وراحتهم، وقد يقدم بعضهم أغلى ما يملك، وهي حياته، دفاعاً عن وطنه.
ثم ينتقل الفيلم من قصة الأب الشهيد إلى قصة ابنه فيصل، وهنا تتغير زاوية المشاهدة من ميدان المعركة إلى ميدان آخر من ميادين التحدي، ومن البطولة العسكرية إلى بطولة إنسانية ورياضية، لكن المعنى يبقى واحداً: الوفاء، والإصرار، وتحمل المسؤولية، وعدم الاستسلام أمام الظروف.
نرى فيصل يمارس رياضة التايكوندو، ويحلم بأن يحقق الإنجاز في البطولة، لكنه في الوقت نفسه يحمل مسؤولية إنسانية تجاه والدته. فكان يرافقها إلى جلسات غسيل الكلى، وهو أمر يتطلب وقتاً وجهداً وصبراً، ولذلك كان يتأخر أحياناً عن تدريباته. ومن الطبيعي أن يرى المدرب التأخر المتكرر من زاوية الالتزام الرياضي، فيحاسبه ويعاقبه، بينما كان فيصل يحمل سبباً آخر لا يتحدث عنه، لأنه كان منشغلاً ببر والدته وخدمتها.
وهنا تظهر قيمة عظيمة ربما تكون أهم من الفوز بأي بطولة: بر الوالدين. فالفوز الرياضي يمكن أن يأتي في يوم، ويمكن أن يذهب في يوم آخر، أما البر والإحسان إلى الوالدين فهو قيمة تبقى مع الإنسان وتبقى شاهدة له. وكان فيصل، وهو ابن رجل قدم حياته في سبيل وطنه، يقدم بدوره صورة أخرى من صور الوفاء، فهو لم يحمل إرث والده في الشجاعة فقط، وإنما حمل معه معنى المسؤولية والتضحية والإحسان.
ولعل أجمل ما في القصة أن المدرب لم يبق أسيراً للصورة الأولى التي كونها عن تلميذه. فعندما عرف حقيقة الأمر، واكتشف أن تأخر فيصل لم يكن بسبب الإهمال أو عدم الاهتمام بالتدريب، وإنما بسبب مرافقته لوالدته ومساعدتها في رحلة العلاج، تغير موقفه، وأصبح ما كان يراه تقصيراً شيئاً يستحق التقدير والاحترام. وفي هذه اللحظة يتحول المدرب من شخص يحاسب اللاعب على دقائق التأخير إلى إنسان يدرك أن أمامه شاباً يحمل قلباً كبيراً ومسؤولية تفوق عمره.
ثم تأتي اللحظة التي ينتظرها المشاهد: يدخل فيصل البطولة، ولا يدخلها باعتباره لاعباً يريد الفوز فحسب، وإنما يدخلها حاملاً قصة والده الشهيد، ووفاءه لأمه، وتعبه في التدريب، وكل اللحظات التي جعلته يستمر رغم الصعوبات. وعندما يحقق الفوز، يصبح الانتصار أكبر من مجرد ميدالية أو لقب رياضي؛ يصبح تتويجاً لقصة كاملة من الصبر والبر والوفاء والإصرار.
وهنا شعرت بأن «الحزام» في القصة ليس مجرد حزام رياضي يلتف حول خصر لاعب فائز، وإنما هو رمز لمعانٍ أكبر؛ حزام من الوفاء يربط الابن بأبيه، وحزام من البر يربط فيصل بأمه، وحزام من العزيمة يربط الإنسان بحلمه، وحزام من الانتماء يربط المواطن بوطنه. ولذلك جاءت البطولة الرياضية امتداداً معنوياً لبطولة الأب في ميدان الشرف، وإن اختلف الميدان واختلفت الأدوات.
الأب واجه الخطر في سبيل الوطن، والابن واجه المنافسة في سبيل تحقيق الإنجاز، وبين المشهدين خيط واحد اسمه الإرادة. الأب لم يتراجع أمام الخطر، والابن لم يتراجع أمام ظروفه، وكلاهما قدم صورة مختلفة من صور القوة. فالقوة ليست دائماً في حمل السلاح ومواجهة الخطر، وإنما قد تكون في أن تتحمل مسؤولية والدتك، وأن تصبر على ظروفك، وأن تواصل التدريب رغم التعب، وأن تدخل المنافسة وأنت تحمل في داخلك قصة أكبر من مجرد الفوز.
كما أن العمل يسلط الضوء بصورة غير مباشرة على الأسر التي تقف خلف جنود الوطن. فحين نتحدث عن الجندي، فإننا لا ينبغي أن ننسى الأسرة التي تتحمل غيابه، والزوجة التي تنتظر، والأبناء الذين يكبرون وهم يفتقدون وجوده، والأم التي تدعو له، وكل أفراد الأسرة الذين يعيشون مع معنى الفقد حين يعود الخبر الأصعب. ولذلك فإن تضحيات الجنود لا تتوقف عند الشخص الذي يقف في الميدان، بل تمتد آثارها إلى أسر كاملة تعيش معه رحلة الواجب والتضحية.
وقصة فيصل تحديداً تجعلنا ندرك أن أبناء الشهداء لا يحملون فقط أسماء آبائهم، بل يحملون ذكرياتهم وقيمهم وآثارهم في حياتهم. وقد تكون أعظم هدية يقدمها الابن لوالده الراحل أن يعيش مستقيماً، باراً بأمه، مجتهداً في حياته، رافعاً رأس أسرته، ومكملاً للطريق الذي بدأه والده.
ومن هنا فإن الفيلم لا يجعل الشهيد مجرد صورة من الماضي، بل يجعل أثره مستمراً في الحاضر. الأب غاب جسداً، لكن حضوره بقي في ابنه، وفي القيم التي تركها، وفي الإنجاز الذي تحقق، وفي المشاعر التي أثارها في نفوس المشاهدين. وهذه هي إحدى صور الخلود الحقيقي؛ أن يرحل الإنسان ويبقى أثره حياً في أبنائه وأسرته ووطنه.
لقد أدمعت عيناي وأنا أشاهد هذا العمل، لا لأن القصة حزينة فقط، بل لأنها جمعت الحزن بالفخر، والفقد بالإنجاز، والدمعة بالابتسامة. نحزن عندما نتذكر أن وراء كل شهيد أسرة فقدت إنساناً عزيزاً، ونفخر عندما نرى أن أبناء هؤلاء الرجال يواصلون حياتهم بعزيمة وإصرار، ونفرح عندما نرى ثمرة الصبر تتحول إلى إنجاز.
وما أجمل أن نتذكر ونحن نعيش نعمة الأمن والأمان أن هذه النعمة تستحق الشكر لله سبحانه وتعالى في كل لحظة. فالأمن ليس مجرد كلمة نرددها، وإنما حياة كاملة نعيشها: طفل يذهب إلى مدرسته، وأب يعود إلى أسرته، وأم تطمئن على أبنائها، وأسرة تجتمع على مائدة واحدة، وشاب يمارس رياضته ويحلم بمستقبله. وكل هذه التفاصيل اليومية تصبح أكثر قيمة عندما نتذكر أن هناك رجالاً يؤدون واجباتهم في مواقع مختلفة حتى تستمر هذه الحياة بأمان واستقرار.
والشكر لله أولاً وآخراً على نعمة الأمن والأمان، ثم الدعاء لكل من يساهم في حماية الوطن وخدمة أهله، والدعاء بالرحمة والمغفرة للشهداء الذين قدموا أرواحهم وهم يؤدون واجبهم، وبالصبر والسلوان لأسرهم، وبالحفظ والسلامة لكل جندي يؤدي واجبه في الميدان.
إن «حزام» ليس مجرد قصة عن أب شهيد وابن فائز ببطولة؛ إنه قصة عن وطن تُكتب حكاياته أحياناً بالدم والتضحية، وأحياناً بالعرق والإصرار، وأحياناً بدموع أم، وأحياناً بانتصار ابن يحمل في قلبه صورة أبيه. إنها قصة تقول لنا إن البطولة قد تكون في ساحات القتال، وقد تكون في غرف المستشفيات، وقد تكون في صالات التدريب، لكنها في كل صورها تحتاج إلى قلب يعرف معنى الوفاء.
ولذلك خرجت من مشاهدة هذا الفيلم بمشاعر لا يمكن اختصارها في كلمة واحدة؛ حزن على شهيد ترك خلفه أسرة، وفخر برجل أدى واجبه، وفرح بابن استطاع أن يحول ظروفه إلى دافع للنجاح، وإعجاب بأم تستحق البر، واحترام لمدرب أدرك الحقيقة فغيّر موقفه، وامتنان عميق لكل رجال الوطن الذين يؤدون واجباتهم بينما نحن نعيش حياتنا مطمئنين.
رحم الله كل شهيد قدم روحه دفاعاً عن وطنه، وحفظ الله جنودنا ورجال أمننا، وحفظ أسرهم وأبناءهم، وأدام على المملكة العربية السعودية نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وحفظ وطننا وأهله من كل سوء، وجعل أبناء الشهداء دائماً مصدر فخر لأسرهم ووطنهم. وما أجمل أن يكون الحزام الذي يرفعه البطل بعد انتصاره شاهداً على قصة لم تبدأ في صالة الرياضة، وإنما بدأت بتضحية أب في ميدان الشرف، واستمرت ببر ابن لأمه، وانتهت بانتصار يحمل في معناه وفاءً لا ينتهي.






