ا. محمد باجعفر
يمرُّ بنا البشرُ في رحلة الحياة كالفصول؛ لكلٍّ منهم نفحته ورسالتُه التي يحملها بين أضلاعه. فنحن لا نلتقي بالناس لمجرد المصادفة، بل ننكشف في حضرتهِم على تنوّع الطبائع البشرية، ونرى في معاملاتهم صوراً متجلية لِمَا تختزنه أرواحُهم. منهم مَن يأتك بفيضٍ من طيب أصله، ينسابُ كالمطر النافع على أرض فؤادك، ومنهم مَن تكشف لك الأيام عما يسكن داخله من مرارةٍ أو قسوة، ليكون صدمةً تُختَبَر بها حكمةُ روحك وثباتُ سريرتك.
إن الحقيقة الأكثر عمقاً في التعامل مع البشر تكمن في فهم أن ما يصدر عن الآخرين هو مرآةٌ صادقة لدواخلهم هم، لا لقميتنا نحن؛ فالمرء ينضح دائماً بما امتلأ به قلبه، والطيب لا يثمر إلا طيباً، بينما الجفاء نتاجُ فقرٍ روحي لا ذنب لك فيه. وحين يستوعب الإنسان هذه الحقيقة، يتحرر من التبعية الانفعالية لتقلبات من حوله؛ فلا يفرح بطراءٍ زائف إلى حد الغرور، ولا ينكسر بذبول وُدٍّ أو قسوة جليّة.
غير أن الخطر الأكبر الذي يواجه النفوس الطيبة لا يكمن في الأذى ذاته، بل في التسلل الخفي لمرارة الآخرين إلى أعماقنا. تنشأ في لحظات الخيبة رغبةٌ ملحة في ارتدائ الأقنعة القاسية، ودفع الجفاء بالجفاء، وتحصين القلب بأسوارٍ من الصُّلب كي لا يطاله أذى جديد. وهنا تحديداً تثبت النزاهة الأخلاقية؛ إذ إن أخطر ما قد نخسره في معارك الحياة ليس الموقف ولا السجال، بل أن نخسر نقاءنا الفطري الذي شَيَّدنا به هويتنا وأصالتنا.
إن النقاء ليس سذاجةً تُستغَل، ولا ضعفاً يسهل كَسره، بل هو قوةٌ هادئة واختيارٌ واِعٍ بالبقاء سامياً فوق الصغائر. أن تكون نقي القلب يعني أن تملك القدرة على الرؤية الواضحة دون أن تتلوث نظرتك، وأن تضع الحدود العادلة لحماية روحك دون أن تسمح للغلّ أو الضغينة أن تجد لها مستقراً في صدرك. فالقلب النقي كالماء العذب؛ مهما أُلقي فيه من حَصى، يتكدر لبرهة ثم يعاود الصفاء، لأن عمقه أكبر من أن يعكّره كدرٌ عابر.
ويبقى جميل الأثر هو النصب التذكاري الحقيقي الذي يتركه المرء في نفوس من حوله؛ أثرٌ لا تمحوه السنون، كلمةٌ طيبة سُكبت في لحظة احتياج، وموقفٌ نبيل تُربِكُ به جفاء العالم، وبسمةٌ تجبر بها خاطراً مكسوراً. إن الذين يرحلون عن المواقف وتبقى طيبةُ أنفاسهم حية في المكان، هم أولئك الذين أدركوا أن الحياة أقصر من أن نضيعها في رد الصاع بالصاع، وأن أجمل ما يُهدى للبشرية هو قلبٌ لم تدنّسه الخيبات.
لذا، كُن أنت كما أنت؛ لا تتنازل عن طهرك لتعامل عالماً مضطرباً بلغةٍ لا تشبهك، ولا تدع تقلبات البشر تغير المعادن الأَصيلة فيك. فبعض النقاء جلالٌ وجمالٌ سامٍ، لا يليق به أن يتبدل، ولا يستحق منك إلا أن تصونه بحكمة، وتحوطه بكبرياء الذات الشريفة، لتظل دوماً كما أردت لنفسك: ثابتاً كالجبل، ناعماً كالحرير، نقيّ الخَاطِر، وجميل الأَثَر.









