ا. محمد باجعفر
في هذه الحياة، تتمايز معادن الرجال وتتكشف سرائر النفوس عند محطات الوفاء والجحود؛ فالوفاء ليس مجرد خُلق عابر يُمارس عند الترف، بل هو شجرة راسخة الأصول، جذورها تُسقى بنبل المربين، وثمارها تُقطف صلةً وبرًا وإحسانًا يتجاوز حدود الأجيال.
لقد علمنا الآباء – بغرسهم الثابت وسيرتهم العطرة – أن اليد التي امتدت بالخير لا تُنسى، وأن القلوب التي فتحت أبوابها احتضانًا وعطفًا في أيام الصبا والشباب تُطوّق الأعناق بدَينٍ لا يمحوه الزمن. إن من أعظم صور البر وأجلّ معاني الأصالة أن ينشأ المرء محمّلاً بـ وصية والده، ينظر إلى من أحسنوا إلى أبيه أو شاركوا في تنشئته بروح الأبوة والأمومة – كأولئك الأجلاء: الجدة مريم يحيى، وعائشة يحيى، والجد محمد يحيى، الذين أثمرت طيبة قلوبهم ورقي نفوسهم ظلاً ظليلاً في طفولة الوالد وشبابه – فيجعل رد الجميل لذكراهم ولأحفادهم وسامًا يُزين به صدره، وعهداً يُترجمه إلى أفعال ومصاهرة وصلة رحم تعقد أواصر المحبة وتوثق قدسية القربى.
إن ابن الأصل هو ذاك الذي إذا غاب أصحاب الفضل، حَفِظَ في غيابهم العهد، وسعى لسلالتهم بالخير والوفاء، لا يبتغي بذلك إلا رضا الله وحفظ كرامة المروءة، مؤمنًا بأن الطيب يُزرع في الأرض ليبدو أثره في السماء، وأن صلة الود مع أهل الفضل دَيْنٌ واجب الأداء في حياة الآباء وبعد مماتهم.
وعلى الضفة الأخرى، تتجلى حقيقة ناصعة: الجحود لا يضر المحسن، بل يُعري الجاحد. كم هو مؤلم أن يُسدي المرء معروفًا لمن ظنه أهلًا، ويؤثره على نفسه وكثير من خلان شبابه، ثم يجد منه تنكرًا يُجافي المروءة ويجرح الشرف. غير أن هذا النكران لا يحطّ من قدر صاحب الفضل شيئًا، فالسحابة المحملة بالمطر لا يقلل من جودها أن أرضًا بوارًا لم تُنبت مما هطل عليها.
إن ناكر الجميل يعيش أبداً في ظلام ظنونه، يلهث خلف أنانيته، لا يشبعه إحسان ولا يُصلحه كرم؛ تشبه حالته تلك الصور البليغة لمن حُرِمَ الاستقرار ونفاذ البصيرة، فلا يزداد مع الإحسان إلا بُعدًا، ولا مع الفضل إلا جحودًا، لأن النفوس القاصرة تعجز عن استيعاب نبل الإيثار.
ختاماً، سيبقى الوفاء راية يرفعها الأوفياء، وزادًا يتوارثه أرباب القلوب الشريفة جيلًا بعد جيل. وسيبقى حفظ الود وتربية الأبناء على رد الجميل شرفًا لا يناله إلا من كَرُم أصله وطاب غراسه. رحم الله الآباء والأمهات والأجداد الذين غرسوا فينا نبض الأصالة، وغفر الله لمن رحلوا وتركوا لنا أثرًا يستحثنا على البر والوفاء إلى يوم الدين.







