عبدالله شراحيلي
ليس الأدبُ كلماتٍ تُرصُّ في سطور، ولا الشعرُ أبياتًا تُوزنُ بالقافية فحسب؛ وإنما الأدب روحٌ إذا سكنت الحرفَ منحته حياة، والشعرُ موهبةٌ إذا صافحت القلبَ تركت في الذاكرة أثرًا لا تمحوه الأيام.
ومن بين القامات الأدبية التي يحق للمنطقة والوطن أن يعتزا بها، يبرز اسم الأستاذ الشاعر الأديب الدكتور حسن الأمير؛ ذلك الاسم الذي ارتبط بالكلمة الراقية، والفكر الناضج، والإبداع الذي لا يقف عند لون واحد من ألوان الأدب.
حين تقرأ للدكتور حسن الأمير نثرًا، تشعر أنك أمام عقلٍ واسع المدارك، وموسوعةٍ أدبيةٍ وعلميةٍ تمشي على قدمين؛ يأخذك من فكرة إلى فكرة، ومن معنى إلى معنى، فلا يكتفي بأن يضع المعلومة أمام عينيك، بل يصوغها في ثوبٍ من الجمال يجعل العقل يتلقاها، والقلب يحتفي بها.
وللنثر عنده لغةٌ خاصة؛ لغة لا تستعرض المعرفة، وإنما تجعل المعرفة جميلة، ولا تزدحم بالألفاظ، وإنما تمنح اللفظ مكانه الذي يستحقه. وكأن الحروف بين يديه تعرف طريقها قبل أن يكتبها، فتأتي الجملة مستقيمة البناء، عميقة المعنى، رقيقة الملمس، قوية الأثر.
أما إذا انتقلت إلى شعره، فثمّة عالمٌ آخر من الجمال.
هناك حيث الوزنُ والقافية، وحيث الموسيقى الخفية التي لا يسمعها إلا من أوتي حسًّا أدبيًا مرهفًا، تجد نفسك أمام قامةٍ شعرية تعرف كيف تجعل البيت الشعري أكثر من كلمات؛ تجعله نبضةً، وصورةً، وإحساسًا، وموقفًا.
ولكل بيتٍ من شعره حكاية مع الجمال؛ تقف عنده متأملًا في سبكه، مأخوذًا بعذوبته، متعجبًا من قدرته على الجمع بين رقة الإحساس وإحكام الصياغة، وبين جمال الصورة ودقة الوزن، حتى يبدو البيت وكأنه لم يُكتب، وإنما وُلد مكتملًا كما يولد القمر في ليلة صفائه.
وما أجمل أن يجتمع في إنسانٍ واحد العلم والأدب، والفكر والشعر، والمعرفة والذائقة؛ فذلك اجتماعٌ نادر، لا تصنعه الدراسة وحدها، ولا تصنعه الموهبة وحدها، وإنما تصنعه سنواتٌ من القراءة والتأمل، وتجربةٌ عميقة مع الحياة، وقلبٌ يعرف قيمة الكلمة ومسؤوليتها.
إن القامات الأدبية الحقيقية لا تحتاج إلى كثير من التعريف؛ فآثارها تتحدث عنها، ونصوصها تشهد لها، وتلاميذها وقراؤها يحملون شيئًا من نورها إلى من بعدهم.
ولذلك فإن وجود قامة أدبيةَ بحجم الدكتور حسن الأمير في منطقتنا ليس مجرد حضورٍ لشاعرٍ أو أديب، بل هو إثراءٌ للمشهد الثقافي، وإضافةٌ إلى الذاكرة الأدبية، ومساحةٌ جديدة للجمال في زمنٍ ازدحمت فيه الكلمات، وقلَّ فيه من يعرف كيف يمنح الكلمة قيمتها.
هنيئًا للمنطقة بهذه القامة الأدبية، وهنيئًا للمملكة العربية السعودية بأبنائها الذين جعلوا من العلم والأدب رسالةً، ومن الإبداع طريقًا، ومن الكلمة جسرًا يصل الإنسان بالإنسان.
أيها الدكتور حسن الأمير،
دمتَ للكلمة علمًا، وللأدب نبراسًا، وللشعر صوتًا عذبًا، وللثقافة حضورًا يزداد بهاءً مع الأيام.
فبعض الرجال يكتبون لأنهم يحبون الكتابة،
وبعضهم يكتبون لأن في داخلهم شيئًا يريد أن يُقال،
أما الكبار، فإنهم يكتبون لأن للكلمة عندهم رسالة، وللأدب في نفوسهم وطنًا.
وأنت — بما تركت من أثرٍ في النثر والشعر — واحدٌ من أولئك الذين يجعلوننا نؤمن بأن الكلمة، حين يحملها صاحبها بصدقٍ وعلمٍ وجمال، تستطيع أن تعيش أطول من أعمار أصحابها.








