بقلم: فايل المطاعني الحكواتي
ذاكرة الماء والكرسي
جلستُ ذات مساء على كرسي خشبي في مزرعة هادئة، أراقب الماء وهو يجري في قنواتها الصغيرة.
لا أعرف لماذا اخترت ذلك الكرسي بالذات.
ربما لأن الإنسان، كلما تقدم به العمر، يصبح أكثر ميلًا إلى الجلوس ومراقبة الأشياء التي كان يمر بجوارها في شبابه دون أن يمنحها لحظة تأمل.
كان الماء يجري أمامي بهدوء، وأنا أراقبه وكأن بيني وبينه موعدًا قديمًا.
وفجأة، وجدت نفسي أسأل:
هل للماء ذاكرة؟
قد يبدو السؤال غريبًا…
لكن الحكواتي، كما تعرفون، لا يترك سؤالًا غريبًا يمر من أمامه دون أن يطارده!
ظللت أراقب الماء، وإذا بي أكتشف أنني لا أنظر إلى الماء أصلًا…
كنت أنظر إلى طفولتي.
فالماء لا يحمل الحياة فقط، بل يحمل أحيانًا صورًا من الماضي.
ومع كل قطرة تمر أمام عيني، كانت صورة قديمة تظهر.
وجه.
مكان.
صوت.
مدرسة.
صديق.
مدينة.
ثم وجدتني أعود سنوات طويلة إلى الوراء…
إلى مدينة العين.
كنا نسكن في منطقة زاخر بمدينة العين، تلك المدينة التي ارتبطت في ذاكرتي بالهدوء، وبحياة الشيوخ، وبأيام كان للوقت فيها طعم مختلف.
كنت أدرس في مدرسة الشويفات الدولية في منطقة المناصير، ولا أدري إن كانت المدرسة ما زالت هناك أم رحلت كما رحلت أشياء كثيرة من حياتنا، وبقيت فقط في الذاكرة.
ومن بين كل تلك السنوات، هناك ذكرى ما زالت تجلس في الصف الأول من ذاكرتي…
ذكرى طفل صغير اختير مع مجموعة من الأطفال لاستقبال الملكة البريطانية إليزابيث الثانية، عندما جاءت إلى دولة الإمارات قادمة من سلطنة عُمان عبر الطريق البري.
كنت يومها طفلًا صغيرًا…
خنفس!
نعم، خنفس.
وإذا كنتم تتساءلون لماذا؟
فالنسبة هنا إلى فرقة البيتلز الإنجليزية الشهيرة، التي كان لقبها مرتبطًا بالخنافس، أما أنا فكنت أملك شعرًا وهيئة جعلتني أحصل على اللقب في طفولتي.
وعندما نزلت الملكة من سيارتها، صافحت الأطفال جميعًا.
لكنها، وحدي، لمست شعري بحنان.
ومن تلك اللحظة…
حدثت كارثة تاريخية صغيرة!
عدت إلى أصدقائي وأنا مقتنع أنني أصبحت شخصًا مهمًا جدًا.
شعرت وكأن الملكة وضعت على كتفي سيف الفارس، ومنحتني شيئًا من هيبتها، ثم تركتني أعود إلى أصدقائي وأنا أحمل في رأسي لقبًا لا يراه أحد.
وفي ثقافتنا آنذاك، كان صاحب العينين الزرقاوين أو الشعر الأشقر يُسمّى «إنجليزيًا»، مهما كانت جنسيته.
أما أنا…
فقد باركتني الملكة بنفسها!
ومنذ ذلك اليوم بدأت أتصرف كـ«لورد» بريطاني صغير بين أصدقائي؛ وقارٌ مصطنع، ومشية محسوبة، ونظرة تقول للجميع:
يبدو أن الملكة تركت لي شيئًا من هيبتها!
طبعًا، لم يكن أحد يعرف أن صاحب تلك الهيبة كان طفلًا صغيرًا لا يزال بحاجة إلى من يناديه وقت الغداء!
بعد سنوات، قرر الوالد أن يترك العين.
كان شوقه إلى عُمان أكبر من سنوات الغربة، فانتقلنا إلى البريمي، تلك الواحة الخضراء التي كانت النخيل تحيط بها من كل جانب، ويربطها بمدينة العين طريق يمر بالمضيف الحدودي، ثم يمتد نحو دبي.
وهناك…
كان الماء جزءًا من حياتنا.
كنا نسبح في فلج السوق، الذي يشق بيوت العزازنة، ويمضي باتجاه مزارع حماسة، حيث البيوت الأثرية والقلعة الشامخة…
قلعة الخندق المعمورة.
كان الماء بالنسبة لنا ملعبًا ومسبحًا ومكانًا للهروب من حرارة الصيف.
وكان أيضًا شاهدًا على مغامرات طفولية كثيرة، بعضها جميل، وبعضها لو عرف به الوالد في وقته لربما أصبح الحكواتي اليوم صاحب سجل جنائي!
كان أحد أصدقاء والدي نقيبًا في شرطة أبوظبي، وكنت أناديه:
النقيب خلفان.
رجل طيب وكريم، ولا أدري اليوم هل ما زال بيننا أم انتقل إلى جوار رب كريم.
رحم الله من رحل منهم، وأطال الله عمر من بقي.
وفي تلك الأيام شُيّد أشهر مساجد الحارة: مسجد أهل دبي.
وكانت مزارع البريمي في الصيف تزدهر بالليمون والمانجا والبيذام، بينما كان إخوتي يخوضون معارك طفولية مع أطفال الحارات.
أما أنا…
فكنت طفلًا من نوع آخر.
كنت أرى تلك المعارك عبثًا لا يستحق كل هذا الحماس.
وربما كنت أظن نفسي وقتها فيلسوف الحارة!
ومن الذكريات التي لا يمكن أن أنساها أمطار هطلت ثمانية أيام متواصلة.
ثمانية أيام!
لم أرَ في حياتي بعد ذلك مطرًا بتلك الغزارة.
كان الماء في كل مكان، وكأن السماء قررت أن تمنح طفولتنا فصلًا إضافيًا من الحكايات.
ولعل الماء هو السبب في أنني، حتى اليوم، كلما رأيته يجري، أجد بابًا قديمًا في ذاكرتي يُفتح من تلقاء نفسه.
كانت دراستي في مدرسة عالمية تجربة صنعت جزءًا مهمًا من شخصيتي.
تعلمت منها الانفتاح على ثقافات مختلفة، وتعلمت احترام المرأة احترامًا حقيقيًا، لا تصنع فيه ولا مجاملة.
وما زلت إلى اليوم، حين أخاطب امرأة، أحرص أن يكون حديثي معها قائمًا على الوقار والاحترام.
أتذكر طارق الإنجليزي، من أب إنجليزي وأم سورية، وكان يتحدث العربية بلكنة مضحكة.
وأتذكر صديقي طارق الفانك، من عائلة الفانك، ذلك الاسم الأردني المعروف.
كما تشدني الذاكرة إلى زميلات مدرسة الشويفات الدولية، من عائلة مهران اللبنانية، وزميلات لطيفات من عائلة الغصين، العائلة الفلسطينية العريقة، وغيرهن كثيرات لا تتسع لهن الذاكرة الآن.
كانت تلك المدرسة أكثر من مكان للتعليم.
لقد كانت نافذة مبكرة على العالم.
ومن خلالها بدأ يتشكل فايل الذي تعرفونه اليوم.
ومنذ الصغر كان لدي شعور غريب بأنني سأصبح يومًا ما شخصية معروفة.
لا تسألوني كيف!
الأطفال أحيانًا يملكون يقينًا لا يملكه الكبار.
بل إن إحدى قارئات الفنجان قالت لي ذات ليلة ممطرة، وهي تقرأ فنجاني:
«ستكون رجل مباحث أو كاتبًا شهيرًا.»
لم أصبح رجل مباحث.
أما أن أصبح كاتبًا شهيرًا…
فما زلت أحاول أن أُرضي النصف الثاني من النبوءة!
ثم عدت إلى الحاضر.
كان الكرسي ما زال تحتي.
والماء ما زال يجري أمامي.
لكنني لم أعد الشخص نفسه الذي جلس قبل دقائق.
لقد عدت من رحلة طويلة دون أن أتحرك من مكاني.
رحلة إلى العين.
إلى البريمي.
إلى المدرسة.
إلى أصدقاء الطفولة.
إلى الملكة.
إلى الماء.
وإلى ذلك الطفل الذي كان يظن أن الدنيا واسعة بما يكفي لتحقيق كل الأحلام.
نظرت إلى الماء وسألت نفسي:
ما فائدة الذكريات؟
لم أجد إجابة مباشرة.
ثم ابتسمت.
ربما لأن الذكريات لا تأتي لكي تعطينا إجابات…
بل تأتي لتذكرنا بمن كنا.
ففي الذاكرة، ما زال الطفل حيًا.
وما زال يجري في الحارة.
وما زال يسبح في الفلج.
وما زال ينتظر أن تكبر أحلامه.
وربما أجمل ما في الذكريات أنها لا تعيد لنا الماضي…
لكنها تعيد لنا أنفسنا التي تركناها هناك.
أما أنا، فقد تركت الكرسي والماء يمضيان في هدوئهما.
وعرفت أن الحكواتي لا يحتاج دائمًا إلى حكاية يبحث عنها…
فأحيانًا تكفيه قطرة ماء، وكرسي قديم، وذاكرة لا تنام.
ودمتم بخير.
مع تحيات
الولد الشقي سابقًا
الحكواتي حاليًا







