أمسك فؤادك.. فالقلوبُ مدائنٌ وللطرقاتِ عابرون

بقلم/محمد باجعفر

​القلوبُ ليست أرضاً مُباحةً يطؤها كلُّ قادم، بل هي مدائنُ شُيِّدت أسوارُها من مشاعرَ ونبض، ولكلِّ مدينَةٍ حرّاسُها وأبوابُها. وفي زحامِ الحياة، تتوافدُ على أرواحِنا أطيافٌ شتّى؛ منهم من يدخلُ ليخلعَ نعليهِ عند عتبةِ الروحِ ويستريح، ومنهم من يمرُّ كنسيمِ صيفٍ عابر، يتركُ أثراً طفيفاً ثم يمضي إلى سبيله. وإنّ أشدَّ ما يُبتلى به المرءُ هو أن يفتحَ أبوابَ مدينتِهِ لمن لا ينوي البقاء، فيظنُّ الزائرَ العابرَ سكناً مقيماً، حتى إذا ما حانَ الرحيل، تداعت الأسوارُ وتصحّرت الديار.

​في حقيقةِ العابرين

إنّ التعلّقَ المفاجئ بالأرواحِ العابرةِ خطأٌ يدفعه الفؤادُ من رصيدِ طمأنينته. ليس كلُّ من استضافته جنباتُ صدرِك يسعى لعمارتها؛ فثمة أرواحٌ خُلقت لتكونَ “محطاتٍ” في طريقِنا، تعلّمنا درساً، تصقلُ تجربةً، أو تمنحُنا ضحكةً خاطفةً ثم تستكملُ رحلتَها. الحكمةُ لا تكمنُ في إغلاقِ الأبوابِ بوجهِ الحياة، بل في وعي العقلِ بطبيعةِ الأشخاص؛ أن تُحسنَ الوفادةَ دونَ أن ترهنَ مفاتيحَ مدينتك لراحل.

​أثرُ الأصيل

وعلى الضفةِ الأخرى، ثمةَ نُدرةٌ من البشرِ يرسلُهم القدرُ ليكتُبوا في أرواحِنا خلوداً خاصاً. هؤلاءِ لا يرهقونك بالتردّد، ولا يغادرون عند أوّلِ عاصفة. حقيقةُ حضورِهم لا تُقاسُ بالمكانِ ولا بساعاتِ اللقاء؛ قد يرحلون أجساداً، لكنّ صدى أنفاسِهم وصدقَ ودّهم يظلّ يتردّدُ في الممرات، تُحدّثُ به الديارُ كلّما هبّت نسائمُ الذكرى. هؤلاءِ هم الأوفياءُ الذين يستحقون أن تُفتحَ لهم المحاريب، وأن تُفرشَ لهم حنايا القلوب.

​أمسك فؤادك

“أمسك فؤادك”.. دعوةٌ تختزلُ أدبَ حمايةِ الذاتِ وعزّةَ النفس. أن تمسكَ فؤادكَ يعني أن تُوازنَ بين جودِ العاطفةِ وحذرِ العقل، ألا تهبَ عميقَ مشاعرك دفعةً واحدة لمن لم يثبت بعدُ صدقَ مقصده. إنّ التخيّرَ للقلبِ ليس كبراً ولا جفاءً، بل هو صيانةٌ للودّ من أن يُهدرَ في غيرِ موقعه، ورعايةٌ لزهرةِ الوفاءِ كي لا تذبلَ في أرضٍ جافة لا ترعاها.

​لتكن مدينتكَ معمورةً بالوعي، وليكن قلبكَ حصناً حَصيناً؛ استقبلِ العابرين بلطفٍ ودعهم يمرون بسلام، واحتفظ بالمكانِ الأرفعِ والعميقِ في صدرِك لمن يصونُ عهدك، ويجعلُ من الوفاءِ رايةً لا تنكسُها تقلّباتُ الأيام والظروف.

صدي نيوز اس 6

Related Posts

في اليوم العالمي للمعلم.. شكرًا صُنّاع المستقبل

الإعلامي/ خضران الزهراني 5 أكتوبر 2026م في اليوم العالمي للمعلم، تتجدد مشاعر الوفاء والتقدير لمن حملوا رسالة العلم، وأضاءوا دروب الأجيال بالمعرفة والقيم، وأسهموا بعطائهم في بناء الإنسان وصناعة مستقبل الوطن. فالمعلم ليس ناقلًا للمعرفة فحسب، بل هو صانع وعي، وباني أجيال، وشريك أساسي في صناعة المستقبل. كل الشكر والتقدير لكل معلم ومعلمة على ما يقدمونه من عطاء مخلص، وجهود عظيمة، ورسالة سامية تترك أثرًا ممتدًا…

مذكرات رجل مشاغب الولد الشقي سابقًا

بقلم: فايل المطاعني الحكواتي ذاكرة الماء والكرسي جلستُ ذات مساء على كرسي خشبي في مزرعة هادئة، أراقب الماء وهو يجري في قنواتها الصغيرة. لا أعرف لماذا اخترت ذلك الكرسي بالذات. ربما لأن الإنسان، كلما تقدم به العمر، يصبح أكثر ميلًا إلى الجلوس ومراقبة الأشياء التي كان يمر بجوارها في شبابه دون أن يمنحها لحظة تأمل. كان الماء يجري أمامي بهدوء، وأنا أراقبه وكأن بيني وبينه موعدًا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

أمسك فؤادك.. فالقلوبُ مدائنٌ وللطرقاتِ عابرون

أمسك فؤادك.. فالقلوبُ مدائنٌ وللطرقاتِ عابرون

في اليوم العالمي للمعلم.. شكرًا صُنّاع المستقبل

في اليوم العالمي للمعلم.. شكرًا صُنّاع المستقبل

المملكة تعزز الحوار الدولي لحماية البيئات الجافة وتحقيق الاستدامة

المملكة تعزز الحوار الدولي لحماية البيئات الجافة وتحقيق الاستدامة

في يوم المعلم.. تحية وفاء لصانع الأجيال وباني العقول

في يوم المعلم.. تحية وفاء لصانع الأجيال وباني العقول

في رحاب مكة.. احتفال وطني استثنائي لـ«مبتكرون السياحية» يجمع رموز المجتمع

في رحاب مكة.. احتفال وطني استثنائي لـ«مبتكرون السياحية» يجمع رموز المجتمع

جمعية مسار” تستضيف معالي د. بكري عساس غداً في معرض التعليم والتدريب بجدة

جمعية مسار” تستضيف معالي د. بكري عساس غداً في معرض التعليم والتدريب بجدة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode