أشواق السروجي – مكة
في الخامس من أكتوبر من كل عام، يتوقف العالم أمام واحدة من أكثر المهن تأثيرًا في صناعة الإنسان: مهنة التعليم. وفي عام 2026، يأتي اليوم العالمي للمعلمين متزامنًا مع مرور ستة عقود على اعتماد التوصية الدولية بشأن مكانة المعلمين، في تأكيد متجدد على أن المعلم ليس ناقلًا للمعرفة فحسب، بل شريك في صناعة المستقبل.
لكن ماذا لو كان أثر المعلم يشبه شجرة لا يراها من زرعها وهي تكبر؟
هنا تأتي حكاية مؤثرة من الأدب الفرنسي، كتبها جان جيونو في قصة «الرجل الذي زرع الأشجار»؛ حكاية رجل اختار أن يغيّر أرضًا قاحلة، دون أن ينتظر شهرة أو مكافأة.
رجل يزرع في أرض يائسة
في منطقة جبلية قاحلة ومعزولة، التقى الراوي براعي أغنام يُدعى إلزيار بوفيه.
كان المكان جافًا، مهجورًا، وفقد الناس فيه الأمل بالحياة.
لكن الراعي كان يحمل كل يوم بذور الأشجار، ينتقي منها السليم، ثم يحمل وتدًا صغيرًا، ويحفر في الأرض الجافة، ويضع بذرة تلو أخرى.
لم يكن يزرع شجرة ليراها غدًا.
كان يزرع للمستقبل.
ومع مرور السنوات، بدأت الأرض تستعيد حياتها، وعادت إليها المياه والخضرة والسكان.
ولم يكن الرجل يبحث عن شهرة أو تقدير؛ كان يؤمن بأن ما يفعله اليوم قد يصنع فرقًا لا يراه إلا بعد سنوالمع
وهكذا يعمل المعل
لعل أجمل ما يمكن أن نستعيره من هذه الحكاية في يوم المعلم هو فكرة البذرة.
فالمعلم لا يقدم لطالبه مستقبله جاهزًا، وإنما يضع في طريقه أشياء صغيرة قد تصنع فرقًا كبيرًا:
معلومة.
سؤالًا.
فكرة.
قيمة.
ثقة.
أو كلمة تشجيع في اللحظة التي يحتاج فيها الطالب إلى من يؤمن به.
وقد لا يعرف المعلم متى ستنبت تلك البذرة، وربما لا يرى نتائجها بعد نهاية العام الدراسي.
لكنه يستمر في العطاء.
معلمات ثانوية فاطمة الزهراء.. أثر يتجاوز الفصل
وهنا تبرز تجربة معلمات ثانوية فاطمة الزهراء بمكة المكرمة؛ فالمعلمة في هذه المرحلة لا تؤدي دورًا تعليميًا فحسب، بل تسهم في تشكيل وعي الطالبة، وصقل شخصيتها، وتهيئتها للانتقال إلى مرحلة جديدة من حياتها.
فوراء كل درس تقدمه المعلمة جهد، ووراء كل طالبة تتجاوز صعوبة ما دعم وتشجيع، ووراء كل إنجاز تحققه طالبة سنوات من التوجيه والمتابعة والإيمان بقدرتها.
وقد لا تتذكر الطالبة بعد سنوات تفاصيل كل درس، لكنها قد تتذكر معلمة دفعتها إلى التقدم، أو شجعتها على خوض تجربة، أو جعلتها تؤمن بقدرتها على النجاح.
وهذا هو الأثر الحقيقي للتعليم.
صناعة المستقبل تحدث أحيانًا في الخفاء
هناك معلمات يقضين سنواتهن أمام السبورة، يشرحن الدرس، ويعدن الشرح للمتعثرات، ويشجعن من فقدن ثقتهن بأنفسهن، ويمنحن فرصة جديدة لمن أخفقت.
ثم ينتهي الدرس.
ويغلق الكتاب.
وينتهي اليوم الدراسي.
لكن أثر المعلمة لا ينتهي بانتهاء الحصة.
إنه ينتقل مع الطالبة إلى الجامعة، ثم إلى العمل، ثم إلى المجتمع.
قد تصبح طبيبة، أو مهندسة، أو معلمة، أو قائدة، أو باحثة، أو صانعة أثر في مجالها.
وربما لا تتذكر كل ما قيل لها، لكنها تحمل معها شيئًا مما تعلمته، وطريقة تفكير تشكلت، وثقة بدأت بكلمة من معلمة.
«يكفيني أنني أعرف»
ليس أعظم المعلمين أولئك الذين ينتظرون أن يسمعوا أسماءهم بعد سنوات.
بل أولئك الذين يجدون في نجاح طلابهم إجابة كافية عن كل ما بذلوه.
يكفي المعلمة أن ترى طالبتها وقد تجاوزت خوفها.
أن ترى المترددة وقد أصبحت أكثر ثقة.
أن ترى من تعثرت وقد نهضت.
وأن تعرف أن كلمة قالتها في وقتها المناسب، ربما غيّرت شيئًا في حياة طالبتها.
قد لا يعرف أحد حجم الجهد الذي بذلته المعلمة، لكنها تعرف.
تعرف أنها كانت جزءًا من رحلة طالبتها نحو المستقبل.
في يوم المعلم.. تحية لمن يصنع الفرق
في اليوم العالمي للمعلم، لا تكون التحية لمهنة التعليم وحدها، بل لكل معلمة اختارت أن تجعل من المعرفة وسيلة لبناء الإنسان.
وتستحق معلمات ثانوية فاطمة الزهراء بمكة المكرمة تقديرًا خاصًا؛ لما يقدمنه من علم، وتوجيه، واحتواء، وتشجيع، وما يتركنه في طالباتهن من أثر يتجاوز حدود المدرسة.
فالمعلم لا يعلّم درسًا فقط، بل قد يفتح أمام طالب طريقًا لم يكن يراه.
ولا يمنح معلومة فقط، بل قد يمنح ثقة.
ولا يشرح منهجًا فقط، بل يشارك في بناء إسان.
وهذا هو المعنى الأعمق لرسالة التعليم.
كل عام ومعلمات ثانوية فاطمة الزهراء بخير، وكل عام وأثر عطائكن ممتد في طالباتكن، وفي مجتمعكن، وفي مستقبل هذا الوطن.
فبعض من يصنعون المستقبل لا يقفون على منصات التكريم…
إنهم يقفون أمام السبورة فيصنعون المستقبل.






