محمد الرياني
قط يهوى قطة ، لونه الأبيض الجذاب يأسر ، عيناه الزرقاوان البراقتان تضيئان في الظلام مثل انعكاس الضوء في ظلمة البحر ، يهوى القط قطة بيضاء مثله ، هادئة وديعة ، تحب بصمت ولا تعلن حبها إلا لهذا القط الصامت الأنيق ، يحبها فيتسلل بين البيوت ليجلب لها أطيب الطعام ، ويطرد القطط الأخرى من الحيز التي هي تتجول فيه ، يشعر بالغيرة لو اقترب منها قط غيره ، يموء بشكل شجاع فتهرب كل القطط من حوله ، يطارد الفئران كي لا يتعرض لها فأر ، أو ينقل لها عدوى .
يمضي الوقت والقط والقطة يتبادلان الهيام على طريقتهما ، يصعدان الجدران ليعبرا عن سعادتهما ، شعورهما ، ينظران إلى الشارع المجاور بعينين مليئتين بالإحساس الدافئ ، والسعادة الغامرة .
جاء فصل الشتاء واشتد البرد ، ومرض القط الأبيض الحالم ، هزل من شدة المرض ، ولم يعد للقطة مصدر للعيش ، لم تعد تأتيها رؤوس الأسماك وبقايا الدجاج ، وأصبح ينظر إلى القطة بعين الشفقة ، انقلبت حياة السعادة بينهما ، رأته القطة ذات يوم يمد رجليه ويعطفها وكأنه يصارع الحياة ، واللحظات الأخيرة تشير إلى أنه سيفارق الحياة ، وهذا ماصار له .
جاء إلى القطة يومًا قط آخر يطلب ود القطة ، يريد أن يعيش حياة تشبه حياة القط الأبيض ، صعد السور وقت البرد ، كان البرد شديدًا ، ترك القطة وغادر ، لم يدرك معنى الحب ، لم يجلب لها بقايا سمكة أو عظمًا ، مرضت القطة وهزلت ، اجتمع الفئران على جسد القطة ، فتحت عينيها وفارقت المشهد .
قال لها بعد القصة : إني أعشقك يا …
لستُ قطًّا يهزمه البرد ، أو فأرًا يقتله السم ، أو ينقل الطاعون إليك .
فتحت عينيها وقالت : حبيب العمر : إني بك أسعد ، هيا للفناء ، هيا نطرد الفئران ومعها القطط .
وضع يده في يدها ، لن تصعد مثل القط على السور ، فتح لها باب الغرفة ، في الغرفة عطر أخاذ ، استروح ريح العطر ، فتح النافذة نحو الساحة ، قالت له : أراك اليوم أكبر ، لن تهزل ، لن أغيب عنك حتى تهزل ، اذهب نحو الصالون ، قُل للحلاق أن يعيد لوجهك نظارته ، ولخديك حمرتهما .
قال لها: لست بحاجة إلى حلاق ، في البيت أدوات حلاقة ، وأياد تلمس الأشياء فتعبق .
جلستْ وجلس معها ، نظر في عينيها ، قالت ماذا ترى؟
مازحها : أرى قطًّا يغرق في العين .
قالت اغمض عينيك حتى لا تغرق.






