بقلم أحمد علي بكري
قد يتبادر إلى أذهان بعض الغوغائيين والشامتين أن المواطن السعودي، الذي نشأ في ظل النعم والخيرات، قد أنسته رفاهية العيش معنى الجلد، وأبعدته مظاهر الاستقرار عن روح التضحية، وأضعفت في نفسه إرادة المواجهة حين ينادي منادي الواجب إلى ميادين الشرف والفداء. وقد يظن بعض من أظهروا ما تضمره صدورهم من غل وحقد على هذه الأرض المباركة أن المواطن السعودي، الذي عرف الأمن والر خاء، قد أصبح بعيدًا عن ميادين التضحية، وأن الأجيال التي تربت في أحضان النعم لا تعرف معنى الصبر عند الشدائد، ولا تدرك قيمة الدفاع عن الأرض والعرض والكرامة. لكن هؤلاء ينسون، أو يتناسون عمدًا، أن النعم التي أنعم الله بها على المملكة العربية السعودية لم تصنع شعبًا واهيًا، ولم تُخرج أجيالًا تنسى واجباتها، بل صنعت مجتمعًا يعرف قيمة الأمن لأنه يدرك ثمنه، ويقدر السلام لأنه يعلم أن وراءه رجالًا يسهرون ويحرسون ويضحون، ويعلم أن الوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل هو تاريخ وهوية وكرامة ومسؤولية ودماء رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. إن المملكة التي مدت يد العطاء إلى الأشقاء في العالمين العربي والإسلامي، وفتحت أبواب الخير والمساعدات للمحتاجين، لم تفعل ذلك ضعفًا أو عجزًا، بل فعلته انطلاقًا من قدرتها وثوابتها ومبادئها، ومن إيمانها بأن قوة الأوطان لا تقاس بما تملكه من مقدرات فحسب، وإنما بما تحمله من قيم، وما تقدمه من خير، وما تحميه من أمن واستقرار. ومن المؤلم أن يقابل هذا العطاء بالجحود، وأن تتحول مواقف إنسانية امتدت آثارها إلى بيوت كثيرة في العالم العربي والإسلامي إلى مادة للشماتة لدى نفوس لا ترى في المصائب إلا فرصة لإظهار ما تختزنه من أحقاد. وقد ازدادت مرارة هذا المشهد لدى السعوديين في أعقاب الهجمات التي استهدفت منشآت مدنية ومطارات في المملكة، أقدمت عليها جماعة الحوثي، وما ترتب على تلك الاعتداءات من تهديد لأرواح المدنيين وتعريض الأبرياء للخطر.
وإن أشد ما يوجع القلب أن يجد الإنسان نفسه أمام مشاهد العنف والتهديد في أماكن يفترض أن تكون آمنة للمسافرين والعائلات، وأن يتعرض أشخاص جاءوا لأداء مناسكهم وزيارة الأماكن المقدسة لمخاطر لم يقصدوها ولم يكونوا طرفًا فيها. وأما المعتمر الذي خرج من بيته قاصدًا بيت الله الحرام، حاملًا شوقه إلى العبادة ورجاءه في المغفرة، فلا ذنب له سوى أنه أراد أداء نسكه في أمن وطمأنينة؛ فإن أصابه أذى أو قضى نحبه، نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يتقبل نسكه، وأن يجعل أجره على قدر صدق نيته، وأن يربط على قلوب أهله وذويه. ولا نملك في مصاب الأبرياء إلا أن نحتسبهم عند الله، ونرجوه أن يكرم من مات منهم شهيدًا، وأن يجزي كل مظلوم خير الجزاء، وأن يحاسب من تسبب في إزهاق الأرواح البريئة بما يستحقه من عدل. إن دماء الأبرياء ليست مادة للنسيان، وحقوق الضحايا لا تسقط بالتقادم المعنوي، والاعتداء على المدنيين جريمة لا يمحوها التبرير ولا تغطيها الشعارات. ولن ينسى السعوديون ما أصاب وطنهم وأهله من اعتداءات، ولن يتعاملوا مع استهداف الأرواح الآمنة باعتباره أمرًا عابرًا، بل سيظل حق الضحايا حاضرًا في الذاكرة، وستظل المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم قائمة في إطار الحق والعدل، بعيدًا عن الانتقام من الأبرياء أو التعدي على من لا ذنب لهم. وهنا ينبغي أن يفهم الشامتون حقيقة لا تستوعبها عقولهم: أن هدوء السعودي ليس خوفًا، وأن تمسكه بالأمن ليس عجزًا، وأن حرصه على عدم الاعتداء على الأبرياء ليس علامة ضعف، بل دليل على مبدأ راسخ وثقة بالنفس وقدرة على التمييز بين القوة المسؤولة والعدوان الأعمى. نحن لا نخاف إلا الله سبحانه وتعالى، ولا نرى في الاعتداء على الأبرياء بطولة، ولا نخلط بين الشجاعة والتهور، ولكننا نؤمن بأن للدولة حقًا أصيلًا في حماية مواطنيها والمقيمين على أرضها، وصون مقدساتها ومنشآتها، والتصدي لكل من يهدد أمنها وفق ما تقتضيه المسؤولية والأنظمة والقانون. ومن يظن أن المملكة يمكن أن تتهاون في أمنها أو أن شعبها يقبل المساس بكرامته، فإنه لا يعرف تاريخ هذه البلاد، ولا يدرك طبيعة العلاقة التي تربط المواطن بأرضه وقيادته ومقدرات وطنه. ولعل بعض هؤلاء قد نسي صفحة من تاريخنا الحديث، حين اجتاح النظام العراقي دولة الكويت عام 1990، ووجدت المملكة نفسها أمام مرحلة خطيرة استدعت أعلى درجات الاستعداد والتأهب، فهب السعوديون بروح وطنية عالية، وتوافد كثير منهم إلى معسكرات التطوع، رغبة منهم في أداء الواجب والمشاركة في حماية وطنهم والدفاع عن أمن المنطقة. لم يكن دافع كثير من أولئك الرجال أمرًا مفروضًا عليهم، بل كان شعورًا داخليًا بالمسؤولية، وإيمانًا بأن الوطن حين يحتاج أبناءه لا ينبغي أن يتأخروا عن نداء الواجب. وقد كان في أسرتي عدد كبير ممن تطوعوا في تلك المرحلة، فضلًا عن أولئك الذين كانوا يؤدون واجبهم أصلًا في القطاعات العسكرية والأمنية، فكان البيت الواحد يعيش حالة من الاستنفار الوطني، وتتحول أخبار الاستعدادات إلى حديث المجالس، ويصبح الدفاع عن الوطن فكرة حاضرة في نفوس الكبار والصغار. أما أنا، فقد كنت يومها في الصف الثاني المتوسط، صغير السن، لكن مشاعري كانت أكبر من عمري، وكانت الأغاني الوطنية التي يؤديها فنان العرب محمد عبده تلهب الحماسة في نفوسنا، وتوقظ فينا معاني الانتماء والفخر، حتى خُيّل إليّ أن الوقوف في صفوف المدافعين عن الوطن واجب لا يجوز أن يتخلف عنه أحد. وفي غمرة تلك المشاعر، اتخذت قرارًا لم يكن يتناسب مع سني الصغيرة، لكنه كان يعبر بصدق عن مقدار ما استقر في قلبي من حب الوطن؛ قررت أن أتوجه إلى معسكر التجنيد مشيًا على الأقدام، من دون أن أخبر أهلي. كنت أتمتع بطول يوحي لمن يراني بأنني أكبر من عمري الحقيقي، فمضيت إلى المعسكر وأنا أتصور أنني سأكون واحدًا من أولئك الذين سيلتحقون بصفوف المتقدمين لخدمة الوطن. وعندما وصلت، وجدت طابورًا طويلًا من الراغبين في التسجيل، امتد حتى تجاوز البوابات الخارجية للمعسكر، على الرغم من اتساع ميدانه. وقفت بينهم أنتظر دوري، أراقب الرجال وأتخيل نفسي واحدًا منهم، حتى وصلت أخيرًا إلى طاولة التسجيل، وهناك سألني الضابط عن بطاقتي الشخصية. أجبته بأنني أحفظ رقم هويتي، ظنًا مني أن ذلك قد يكفي، لكنه أصر على ضرورة وجود البطاقة، ثم بادرني بسؤال مباشر: «مواليد كم؟». عندها تلعثمت، وانكشف أمري، فضحك ضحكة اختلط فيها الاستغراب بشيء من الفخر، بعدما أدرك أنني لا أتجاوز الرابعة عشرة من عمري. ثم طلب مني العودة إلى المنزل، لأنني لم أبلغ السن التي تسمح لي بالالتحاق. لم تكن تلك اللحظة بالنسبة إليّ مجرد رفض لطلب تسجيل، بل كانت خيبة أمل قاسية لطفل كان يريد أن يثبت لنفسه ولمن حوله أنه قادر على المشاركة في الدفاع عن وطنه.
امتلأت عيناي بدموع القهر، لا لأنني خفت من الطريق أو من الحرب، وإنما لأنني شعرت أنني أُبعدت عن واجب كنت أتمنى أن أكون أهلًا له، وأن سني الصغيرة وقفت بيني وبين ما اعتبرته يومها شرفًا عظيمًا. وبينما كنت في تلك الحال، لمحني أحد أقاربي، وكان ضابطًا في الدفاع المدني، فعرفني وناداني، ثم شجعني على الالتحاق بدورة للدفاع المدني، أتعلم من خلالها كيفية التعامل مع أخطار الحرب الكيميائية، وإسعاف المصابين، ومواجهة الحرائق، والمشاركة في أعمال الإنقاذ. كان ذلك بالنسبة إليّ تعويضًا عن خيبة اللحظة الأولى، وفرصة لأتعلم أن خدمة الوطن لا تقتصر على حمل السلاح، بل تشمل كل عمل يحفظ الأرواح، ويحمي الممتلكات، ويعين الناس في ساعات الخطر. وبعد ذلك عدت إلى المنزل متأخرًا، فاستقبلتني أمي وجدتي بالتوبيخ بسبب غيابي وتأخري، وحمدت الله أن والدي لم يكن قد عاد مبكرًا، فقد كان هو الآخر مرابطًا بحكم عمله في أحد القطاعات الأمنية. وهكذا اجتمعت في ذاكرتي صورة الطفل الذي ذهب سرًا إلى معسكر التجنيد، وصورة الرجال الذين كانوا يؤدون واجبهم، وصورة الأسرة التي عاش أفرادها تلك المرحلة بمشاعر وطنية متقدة، كلٌّ من موقعه وبحسب قدرته ومسؤوليته. لم تكن تلك القصة بالنسبة إليّ حكاية طفولة عابرة، بل أصبحت شاهدًا شخصيًا على أن حب الوطن لا يرتبط بعمر محدد، ولا تصنعه وفرة المال أو شظف العيش، ولا يتوقف على تجربة الحرب ذاتها؛ إنه شعور يتكون في أعماق الإنسان، ويظهر حين يختبر الوطن صدق انتمائه. واليوم، وقد أصبحت في تمام رجولتي، وأدركت من الحياة ما لم أكن أدركه في الرابعة عشرة، فإنني أقولها بوضوح: لو نادى منادي الواجب، واحتاج الوطن إلى أبنائه في ميادين الشرف، فلن أتردد في أداء ما أستطيع من واجب مشروع، ولن أكون أقل استعدادًا من ذلك الفتى الذي قطع الطريق إلى معسكر التجنيد بقدميه، مدفوعًا بحماسة قلبه قبل حسابات عقله. وأعلم أنني لست وحدي في هذا الشعور؛ فخلفي شعب عظيم، فيه كبار السن الذين يحملون ذاكرة المواقف، وفيه الشباب الذين يملكون العزيمة والطاقة، وفيه أبناء تربوا على احترام العلم السعودي، ومعرفة قيمة الأرض التي يعيشون عليها، والاعتزاز بالتضحيات التي بُذلت من أجل استقرارها. وإذا جاءت ساعة الواجب، فإن أبناء الوطن لا يحتاجون إلى من يلقنهم معنى الانتماء، لأنهم تعلموه في بيوتهم ومدارسهم، وشاهدوه في تضحيات جنودهم، واستشعروه في أمنهم اليومي، وعرفوا أن الأوطان لا تُصان بالكلمات وحدها، بل بالوعي والاستعداد والانضباط والتكاتف والقيام بالمسؤولية. أما أولئك الذين يظنون أن رغد العيش يفسد معادن الرجال، وأن الأجيال التي نشأت في ظل النعم تفقد شجاعتها، فليعيدوا النظر في فهمهم للحياة؛ فكم من إنسان نشأ في رخاء، لكنه عند الشدائد أظهر من الصبر والثبات ما يعجز عنه من عاش عمره يظن أن القسوة وحدها تصنع الرجال.
إن النعمة لا تناقض الشجاعة، والأمن لا يلغي القدرة على الدفاع عنه، والرفاهية لا تمحو جذور الرجولة، بل إن الإنسان الذي يعرف قيمة ما يملك يكون أقدر على فهم ما يجب عليه حمايته. ونحن أبناء هذه الأرض المباركة، نعرف أن الأمن نعمة عظيمة، وأن الحفاظ عليها مسؤولية مشتركة، وأن شجاعة الإنسان الحقيقية تظهر في قدرته على حماية وطنه والذود عن أهله، مع التزام الحق والعدل وعدم استباحة دماء الأبرياء. لقد عرف التاريخ السعودي رجالًا واجهوا الصعاب، وبنوا الدولة، وحرسوا حدودها، وقدموا أرواحهم في سبيل أمنها واستقرارها، ولم يكن ذلك لأنهم حُرموا النعم، بل لأنهم امتلكوا من الإيمان والوفاء ما جعلهم يدركون أن النعم تستحق الشكر، وأن الشكر لا يكون بالكلام وحده، بل بحفظ أسبابها وصون مقدراتها. وما دام في هذه البلاد رجال ونساء يعرفون قيمة الوطن، وشباب يؤمنون بأن المستقبل مسؤولية، وجنود يسهرون على الحدود والمنشآت، ومواطنون يضعون أمن بلادهم فوق المصالح العابرة، فإن كل من يراهن على ضعف هذا المجتمع أو انطفاء روح التضحية فيه إنما يراهن على وهم. وليس في كلامنا دعوة إلى الاعتداء أو تهديد الأبرياء، فهذه ليست من شيمنا ولا من قيمنا، وإنما هو إعلان واضح بأن المملكة ليست أرضًا مستباحة، وأن أمن مواطنيها والمقيمين فيها ومقدساتها خط أحمر، وأن الاعتداء عليها لن يحول أهلها إلى شعب ينسى حقوقه أو يتنازل عن كرامته.
إننا نريد السلام، لكننا لا نخلط السلام بالاستسلام، ونمد أيدينا بالخير، لكننا لا نقبل أن تُقابل أيدينا بالغدر، ونحترم حياة الإنسان، لكننا لا نقبل أن تصبح أرواح الأبرياء هدفًا للصواريخ والطائرات المسيرة أو مادة للمزايدات السياسية. ومن حق كل مواطن أن يفخر بوطنه، وأن يثق بقدرة دولته على حماية أمنها، وأن يطالب بمحاسبة من اعتدى على الأبرياء، وأن يعتز بتاريخ شعبه من غير أن ينجرف إلى الكراهية العمياء أو التعدي على من لا ذنب لهم. وفي الختام، أقول لكل من يظن أن أسود الجزيرة، إذا تربت على رغد العيش، نسيت شراسة الميدان: لا تقيسوا الرجال بمظاهر حياتهم، ولا تخلطوا بين هدوء الواثق وخوف العاجز، ولا تظنوا أن النعم التي نعيشها أضعفت فينا جذور الوفاء. نحن قوم نحمد الله على نعمه، ونحميها بالوعي والعمل والالتزام، ونحفظ للوطن حقه، ونقف مع قيادتنا وجنودنا ومؤسساتنا في كل ما يحفظ أمن المملكة واستقرارها.
وإن نادى منادي الواجب، وجد في أبناء هذا الوطن رجالًا يعرفون طريق المسؤولية، وقلوبًا لا تتأخر عن أداء ما تستطيع، وأجيالًا تدرك أن الوطن أمانة لا شعارًا عابرًا. فليعلم كل شامت أن السعودي الذي يبتسم في رخائه هو نفسه الذي يثبت عند الشدائد، وأن أبناء هذه البلاد لا ينسون فضل الله عليهم، ولا يفرطون في أرضهم، ولا يساومون على أمنهم وكرامتهم. نحن أسود الجزيرة، لكننا لا نطلب فريسة ولا نعتدي على ضعيف؛ نريد وطنًا آمنًا، وسماءً مطمئنة، وحياةً كريمة، وعدلًا يحفظ الحقوق.
ومن يختبر صبرنا فليدرك أن الصبر ليس عجزًا، وأن الحكمة ليست خوفًا، وأن حب السلام لا يعني قبول العدوان؛ فالوطن الذي نعيش في خيره ونعمته يستحق منا الوفاء، وحمايته شرف، وصون دماء أبنائه واجب، والذود عن أمنه مسؤولية لا تسقط بالتقادم. حفظ الله المملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا، وأدام عليها أمنها واستقرارها، ورحم ضحايا الاعتداءات، وحمى جنودها ورجال أمنها، ورد كيد كل معتدٍ في نحره، وجعل راية هذه البلاد عاليةً خفاقةً بالعز والعدل والسلام.






