الحذيفي في خطبة الجمعة بالمسجد النبوي يوصي المسلمين بتقوى الله تعالى

 

منصور قريشي :المدينة المنورة

أوصى إمام وخطيب المسجد النبوي فضيلة الشيخ الدكتور أحمد بن علي الحذيفي المسلمين بتقوى الله تعالى، مبينًا أن تقوى الله أحسن ما أسرَرْتم، وأجمل ما أظهرتم، وأنفس ما ادَّخرتم، إنها السبيل إلى السعادة الكبرى، وخير الزاد في الأولى والأخرى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى).

وقال فضيلته: إن الله سبحانه قد أودع في خزائن كتابه العظيم من الأحكام والحِكَم ما فيه مَقْنَع للعقول، ومُستراح للنفوس، وشفاء للصدور، فصّل فيه قصة الحياة الغابرة والرحلة العابرة للإنسان في هذه الدنيا، منذ أن لم يكن شيئًا مذكورًا إلى حين خلقه وتصويره، حتى ينقضي أمد رحلته القصيرة على هذه الأرض، ثم ما يكون من أمر حياته الأخرى الباقية من حين مماته إلى بعثه ونشوره، إلى ما يكون من حسابه ومصيره الذي ينتهي إليه، مقررًا في حنايا ذلك وثناياه الغاية التي لأجلها أوجده وأنشأه، وما به تكون سعادته وشقوته، وقصّ فيه أحوال الأمم الماضية والقرون السالفة، في سلسلة متصلة من آيات القرآن وهداياته، ترسم للمؤمن منهج حياته، وتجيب عن تساؤلاته.

وأضاف فضيلته: تأملوا معي سورة عظيمة من سور القرآن: سورة (ق)، فقد كان نبينا ﷺ يخطب بها أو ببعضها يوم الجمعة، قالت أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنها: «ما أخذت (ق والقرآن المجيد) إلا عن لسان رسول الله ﷺ، يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس»، وكان ذلك منه ﷺ لإلمام تلك السورة العظيمة بتلك المعاني الكبرى والغايات الجُلّى، في نظم قرآني فريد، وعقد بياني نضيد، يجمع إقامة الحجج الظاهرة والمواعظ الزاجرة، فيستحث النفوس، ويستدرّ المدامع، وينهض بالعزائم إلى صراط الله المستقيم ومنهجه القويم.

وبين أن الله استهل السورة باستهلالة بديعة تستوقف القلوب أمام جلال هيبتها، وتطلق أعنّة الألباب في التفكر في لطائف دلالتها؛ حيث استفتحها بحرف من الحروف المقطعة أتبعه بقسم عظيم حُذف جوابه انتقالًا إلى القضية الكبرى: قضية البعث والحياة الأخرى؛ لتأخذ روعة تلك الاستهلالة وهيبة تلك الاستفتاحة بالنفوس والقلوب، مقررًا تلك الحقيقة الكبرى بما بثّه في صفحات الكون من دلائل قدرته الظاهرة وآياته الباهرة في قوله: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ).

وقال فضيلته: ثم ينتقل سياق السورة تاليًا بيانه ثانيًا عنانه من صفحات الكون المشاهد إلى صفحات التاريخ الإنساني استحضارًا لمصائر من تلقّى وحي الله بالتكذيب والإعراض، فيقول سبحانه:(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ)، خاتمًا ذلك المعنى بتقرير القضية الكبرى التي استهل بها السورة: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ).

وأوضح أن السورة تأخذنا إلى تقرير معاني الإحاطة الربانية بالخلق والقدرة الإلهية عليهم تذكيرًا بلحظات انطواء صفحات العمر وانقضائها، واستقبال الحياة الآخرة الباقية وما يكون فيها من الأحوال والأهوال، وما تنتهي إليه رحلة الإنسان بعد ذلك من نعيم أبدي أو شقاء سرمدي، في سياق يبتدئ بقوله جل وعز:

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾، يختمها بموعظة ترتجف منها القلوب وتجف:(وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).

وبيّن أن حديث السورة في أواخر مساقه يؤكد تلك القضية الإيمانية الغيبية: قضية البعث والنشور والحياة الأخروية الباقية، ليرسخ في القلب أن قضية الإيمان بالله واليوم الآخر قضية محورية في حياة المؤمن، لما تلقيه من ظلال ندية وثمار جنية في حياته وواقعه، تتمثل في سكون النفس وطمأنينتها في خضم هذه الحياة وتقلباتها، وتغيراتها المتسارعة ومكدراتها، فالمؤمن يقطع مسيرة الحياة ويخوض غمراتها بقلب يراقب الله ويرعى حقه وحق خلقه، وينظر إلى هذه الدنيا بأنها مرحلة من مراحل السير إلى الله.

وأفاد أن للحرمين الشريفين والمدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة عظيم الحرمة وجليل المنزلة عند الله وعند رسوله ﷺ وعند أهل العقيدة والإيمان على مر الحقب والأزمان ما جعلهما حرمًا آمنًا وظلًّا وارفًا ومرتعًا وادعًا للعابدين والراكعين والساجدين وعموم القاصدين.

وأدان الشيخ الدكتور أحمد الحذيفي ما قامت به جماعة الحوثي الإرهابية وزمرتها الإجرامية من استهداف لمكة المكرمة والمدينة المنورة، وما أقدمت عليه تلك الزمرة الإرهابية من استهداف لمطار الملك خالد الدولي بالرياض وما كان من أثر ذلك من إزهاق للأرواح وترويع للآمنين وقتل للزوار والمعتمرين، مبينًا أنه من العظائم والجرائم التي تستنكرها الشريعة الإسلامية والعقول الزكية والفطر السوية والقوانين الدولية أعظم الاستنكار، وهي مع كونها محاولات يائسة وأعمالًا بائسة فإن التاريخ قد أثبتها في ديوان أهل البغي والفساد، وسجل القرآن على أسلافهم من أصحاب الفيل سوء عدوانهم، وبشر بعتى هزيمتهم وخسرانهم فقال: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ).

وفي ختام خطبته دعا الله تعالى أن يحفظ هذه البلاد الطيبة الطاهرة المملكة العربية السعودية مأرز الإيمان ومهبط الوحي ومهوى أفئدة المسلمين ومثوى سيد المرسلين من كيد الكائدين ومكر الماكرين، وأن يوفق ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين وولي عهده، لما فيه خير العباد والبلاد يا رب العالمين، وأن ينصر الله جنودنا، ويحفظ حدودنا، ويحم ثغورنا.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

جمعية عين لطب العيون تُفعّل اليوم العالمي للبصر في كادي بارك بجازان

  ياسر الحلوي| جازان | صدى نيوز إس   تزامنًا مع اليوم العالمي للبصر، تُقيم جمعية عين لطب العيون يومي الخميس والجمعة الموافق 15 و16 أكتوبر 2026م، مبادرة توعوية في كادي بارك بمنطقة جازان، تحت شعار «افحص عيونك واحمِ بصرك»، بهدف تعزيز الوعي بصحة العيون، وترسيخ أهمية الفحص الدوري والكشف المبكر عن أمراض العيون. وتشهد المبادرة مشاركة نخبة من استشاريي طب العيون لتقديم التوعية والإرشادات الصحية…

أ.د عبدالله بن عواد الجهني في خطبة الجمعة بالمسجد الحرام يوصي المسلمين بتقوى الله تعالى

منصور قريشي  :مكة المكرمة أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام فضيلة الشيخ أ.د عبدالله بن عواد الجهني المسلمين بتقوى الله تعالى، والمحافظة على الصلوات المفروضة وأدائها في أوقاتها، مؤكدًا أن الصلاة الركن الثاني من أركان الإسلام، والركيزة التي يقوم عليها الدين، والصلة المباشرة بين العبد وربه، وأن المحافظة عليها من أعظم أسباب صلاح الأعمال واستقامة حياة المسلم، والفوز برضا الله تعالى في الدنيا والآخرة. وأوضح فضيلته في…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

البريكان والدوسري يتنافسان على جائزة افضل لاعب اسيوي 

البريكان والدوسري يتنافسان على جائزة افضل لاعب اسيوي 

جمعية عين لطب العيون تُفعّل اليوم العالمي للبصر في كادي بارك بجازان

جمعية عين لطب العيون تُفعّل اليوم العالمي للبصر في كادي بارك بجازان

اللجنة المحلية لكاس اسيا تحضيراتنا مستمرة لتنيظيم البطولة 

اللجنة المحلية لكاس اسيا تحضيراتنا مستمرة لتنيظيم البطولة 

الحذيفي في خطبة الجمعة بالمسجد النبوي يوصي المسلمين بتقوى الله تعالى

الحذيفي في  خطبة الجمعة بالمسجد النبوي  يوصي المسلمين بتقوى الله تعالى

أ.د عبدالله بن عواد الجهني في خطبة الجمعة بالمسجد الحرام يوصي المسلمين بتقوى الله تعالى

أ.د عبدالله بن عواد الجهني في خطبة الجمعة بالمسجد الحرام  يوصي المسلمين بتقوى الله تعالى

عشر سنوات من العطاء.. نادي النجوم الثقافي يحتفي بمديره في اليوم العالمي للمدير

عشر سنوات من العطاء.. نادي النجوم الثقافي يحتفي بمديره في اليوم العالمي للمدير

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode