بقلم: . فايل المطاعني الحكواتي
المقدمة
لا تزال أنفسنا تقاوم قسوة الحياة، وتعيش ظروفها على اختلافها، مهما اشتدت صعوبتها، على أمل أن ترى النور الذي طالما تاقت إليه. فلولا الأمل، لما انتظرنا أحدًا، ولربما ما وجدنا في أنفسنا القدرة على مواصلة المسير.
وربما كان ذلك الأمل امرأة!
ففي ظلمات الحياة، لست وحدك من يبحث عن نافذة يهرب منها إلى عالم آخر؛ فهناك امرأة تهرب إليها من واقعك، وأخرى تصبح هي واقعك المشرق، وهناك امرأة ينطفئ نورها، فتترك في حياتك فراغًا لا يملؤه أحد.
تختلف النهايات باختلاف الآمال، وتتبدل مصائرنا بتبدل الأشخاص الذين يعبرون حياتنا.
وفي هذه القصة، ستدرك أن كل ما حدث لم يكن مجرد مصادفات عابرة، وأن لكل تفصيل حكاية، ولكل منعطف سرًّا، وأن خيوط الأحداث جميعها كانت تتصل بوجود امرأة في حياتي.
الفصل الأول
المستشفى
أستاذ حميد! يا أستاذ حميد!
يا كابتن حميد!
☆☆☆
فتح حميد عينيه بصعوبة، وأخذ يتأمل المكان من حوله، وكأنما يحاول استعادة وعيه وفهم ما يجري.
نظر إلى السقف، ثم أدار رأسه ببطء نحو اليمين والشمال، قبل أن يسأل بصوت متعب:
أنا فين؟ أنا فين هنا؟
ثم رفع يده بصعوبة نحو رأسه، وتحسس الضمادة الملفوفة حوله، وقال باستغراب:
وإيه العصابة اللي على راسي دي؟
لم يمنحه الطبيب فرصة لمزيد من الأسئلة، بل اقترب منه، ووضع يده على رأسه برفق، محاولًا تهدئته، وقال بابتسامة:
إنت معانا يا أستاذ حميد، وحضرتك منوّر المستشفى!
نظر إليه حميد بفزع، واتسعت عيناه، ثم صرخ في وجهه:
مستشفى إيه؟! مستشفى إيه يا دكتور؟! أنا مش حميد!
تراجع الطبيب قليلًا، بينما تابع الرجل صراخه:
أنا اسمي راشد… راشد سعيد بن علي!
ضغط الطبيب على زر الجهاز المثبّت بجوار سرير المريض، فحضرت الممرضة مسرعة.
نعم يا دكتور؟
التفت إليها الطبيب، محاولًا المحافظة على هدوئه، وقال:
— لو سمحتي يا نجلاء، هاتي لي ملف الأستاذ حميد.
حاضر يا دكتور.
خرجت الممرضة، وبعد دقائق عادت تحمل الملف الطبي والتقارير الخاصة بالمريض. فتح الطبيب الملف، وراح يقرأ البيانات بصوت مسموع:
الاسم: حميد إسماعيل بن عوض.
العمر: خمسة وثلاثون عامًا.
الحالة الاجتماعية: متزوج.
الأولاد: بنت وولد.
المهنة: طيار مقاتل.
توقف الطبيب عن القراءة، ثم رفع عينيه نحو المريض، وعاد ينظر إلى الأوراق، وكأنه يحاول العثور على تفسير لما يسمعه.
ضرب كفًّا بكفّ، وتمتم متعجبًا:
يا خبر! كل الورق سليم، والبيانات واضحة… أمال إزاي بيقول إنه مش حميد؟!
ثم التفت إلى الممرضة، وقال بصوت خافت:
يا سيستر نجلاء، اندهي لي الدكتور هاني بتاع… الملخوليا!
توقف لحظة، وكأنه أدرك ما قاله، ثم استدرك بسرعة:
أقصد الدكتور النفسي، طبعًا!
نظرت إليه الممرضة، بينما أضاف الطبيب وهو يهز رأسه:
— الحالة دي شكلها محتاجة الدكتور هاني يشوفها بنفسه!
لكن حميد، الذي كان يستمع إلى الحديث بغضب، لم يتراجع عن موقفه، بل أصرّ على كلامه، وقال بحزم:
يا دكتور، أنا مش عارف إنتوا مصممين ليه إني حميد! أنا اسمي راشد سعيد بن علي، ومش طيار مقاتل ولا حاجة!
ثم أخذ نفسًا عميقًا، وتابع مؤكدًا:
أنا مهندس زراعي… موظف مدني، ومالي بالطيران أصلًا؟!
ساد الصمت للحظات.
كان الطبيب ينظر إلى الأوراق، بينما ينظر حميد إليه بعينين تملؤهما الحيرة والغضب.
أمام الطبيب رجل تؤكد جميع أوراقه أنه حميد إسماعيل بن عوض، الطيار المقاتل، بينما يؤكد الرجل نفسه، بكل ما يملك من إصرار، أنه راشد سعيد بن علي، المهندس الزراعي.
فمن منهما يقول الحقيقة؟
وهل فقد حميد ذاكرته، أم أن وراء هذه الحكاية سرًّا أكبر مما يتخيله أحد؟
يتبع…








