بين الظل والنار: تأملات في الخير والشر

احمد علي بكري

 

لا يوجد ظلٌ إلا وله صاحب، ولا دخانٌ بلا نار، ولا ثمرةٌ تُقطف إلا من شجرةٍ نَمَتْ في صمت الأرض وانتظار السماء. هكذا هي الحياة، لا تسير عبثًا، ولا تولد الأحداث من فراغ. كل ظاهرةٍ في هذا العالم، مهما بدت بسيطةً أو عابرة، تقف وراءها يد، نية، أو أثر خفيٌّ يشقّ طريقه إلى الوجود.
في هذا الكون المتقن، يتقابل الخير والشر كما يتقابل الليل والنهار، لا لينفيا بعضهما، بل ليُثريا التجربة الإنسانية ويكشِفا عن معدن الإنسان حين يُخيَّر. كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: “وهديناه النجدين” [البلد:10]، أي بيَّنا له طريقي الخير والشر، فاختياره هو ما يحدد مصيره.
الإنسان ليس آلةً تدار ببرمجة أزلية، ولا دميةً في عرضٍ مسرحي تتحكم بها خيوط القدر وحده. بل هو كائنٌ يقف على مفترق الطرق في كل لحظة، يحمل في قلبه بوصلةً لا تنكسر: الضمير. يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “إن الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما مُتِّع به غني.” وهذا دليل أن الخير ليس فقط في النية، بل في الفعل، في تحمّل المسؤولية، في أن يكون المرء فاعلًا لا متفرجًا على مآسي العالم.
هو قادرٌ أن يسلك طريق الخير، أن يزرع في الأرض حبًّا، وفي القلوب سلامًا، وفي العيون أملًا. وقادرٌ كذلك أن يختار درب الشر، أن يحرق الزرع ويكسر الأغصان ويُلبس النورَ عباءة الظلام. ولكن في كلا الطريقين، هو مسؤول. كما يقول جان بول سارتر: “الإنسان محكوم عليه أن يكون حرًا”، في إشارة إلى أن الحرية ليست رفاهية بل عبءٌ أخلاقي، يفرض على الإنسان أن يختار وأن يتحمّل نتائج اختياره.
والخير، كما الشر، ليس فكرةً طارئة، بل هو موجودٌ في أصل الوجود، في فطرة الأشياء، في حكايات الأمهات، في دموع النادمين، وفي أحلام الطاهرين. قال رسول الله ﷺ: “الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة”، لتبقى هذه الكلمة نبراسًا في وجه كل من يظن أن الخير قد مات أو تلاشى.
والشر، وإن علا صوته حينًا، لا يمكن أن يطمس النور، لأن الشمعة، ولو وحيدة، تُبدّدُ عتمة غرفةٍ كاملة. وكما قال المهاتما غاندي: “كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في العالم.” فالفرد، حين يختار الخير، يغيّر العالم من حوله، ولو شيئًا فشيئًا.
هكذا تستمر الحياة: ظلالٌ تنمو مع الضوء، ودخانٌ يصعد من نارٍ اشتعلت في عمق النفوس، وثمرٌ يتدلى من شجرة قراراتنا. نحن الذين نزرعها، ونحن الذين نختار أن نسقيها أو نقطعها.
فاختر شجرتك، واسعَ أن يكون ظلك بردًا وسلامًا، لا سوادًا يخنق النور.

فوزية الوثلان

Related Posts

الجعرانة.. موقع تاريخي في ذاكرة مكة المكرمة

  بقلم أ. غميص الظهيري تُعد الجعرانة من المواقع التاريخية البارزة في مكة المكرمة، إذ ارتبط اسمها بأحداث مهمة من السيرة النبوية، مما منحها مكانة خاصة في التاريخ الإسلامي. وتقع الجعرانة على بُعد نحو 25 كيلومتراً شمال شرق مكة المكرمة، وكانت قديماً قرية معروفة على طريق القوافل، قبل أن تصبح لاحقاً أحد المواضع التي يقصدها المعتمرون للإحرام. ويرجع سبب تسمية الجعرانة – كما تذكر بعض الروايات…

رمضان محطه تذكر لا موسم عابر

  ايمان المغربي وقفة هادئة قبل رحيل شهر رمضان المبارك نسال فيها انفسنا .. ماذا تغير في داخلنا؟ وماذا بقي من معاني هذا الشهر بعد ان تمضي ايامه؟ ايام قليلة ويمضي رمضان المبارك شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار ومع اقتراب رحيله يستحق منا وقفة صادقة مع النفس وقفة هادئة نسال فيها انفسنا سؤال مختلف قليل عن الاسئلة المعتادة فليس السؤال كم يوم صمنا ولا كم…

لقد فاتك ذلك

مركز التأهيل الشامل بالباحة يحتفي بيوم العلم السعودي 

  • By
  • مارس 14, 2026
  • 17 views
مركز التأهيل الشامل بالباحة يحتفي بيوم العلم  السعودي 

القضاء على 7 إرهابيين بولاية تبسة شرق الجزائر العاصمة

القضاء على 7 إرهابيين بولاية تبسة شرق الجزائر العاصمة

أمانة نجران : بسطة خير وجهة سياحية في شهر الخير

  • By
  • مارس 14, 2026
  • 18 views
أمانة نجران : بسطة خير وجهة سياحية في شهر الخير

الجعرانة.. موقع تاريخي في ذاكرة مكة المكرمة

  • By
  • مارس 14, 2026
  • 56 views
الجعرانة.. موقع تاريخي في ذاكرة مكة المكرمة

إفطار جماعي يعزز روح الفريق بين أعضاء الكادر الصحي – سفراء الأمل

  • By
  • مارس 14, 2026
  • 29 views
إفطار جماعي يعزز روح الفريق بين أعضاء الكادر الصحي – سفراء الأمل

عمر السعيد : مسلسل افراج  نقله في مسيرتي الفنية

  • By
  • مارس 14, 2026
  • 19 views
عمر السعيد : مسلسل افراج  نقله في مسيرتي الفنية

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode